بسم الله الرحمن الرحيم

(المحاضرة الخامسة)

الــولايــة

الزمان: شهر رمضان (تشرين أول 1973).

المكان: مسجد الإمام الحسن المجتبى (ع) - مشهد.

فهمنا لحد الآن أن على كل مسلم وكل مَن يدّعي العبودية لله أن يجعل وليّه وصاحب أمره واختياره في كل فعالياته ونشاطاته في تمام شؤون حياته وعلى مدى عمره هو ذلك الولي الذي يعيّنه الله سبحانه، فهو طوع أمر القائد الذي ينصبّه الله ويعيّنه. والخلاصة أن المحور والحاكم في جميع فعالياته الحياتية هو الله ومَن يعيّنه الله خليفة عنه.

وطبيعي أننا بحثنا عن مَن يعيّنهم الله سبحانه خلفاء عنه وأولياء على الناس وعن خصائصهم، وقلنا إن الأنبياء هم أول مَن يعيّنهم الله أولياء له على الناس، ثم الأوصياء والأئمة، وقلنا أيضاً إن الأولياء تارة يعيّنون بأسمائهم وأخرى بصفاتهم، هذه مطالب اتضحت فيما سبق.

والمطلب الذي نتحدث عنه الآن يتضمن عدة مسائل:

1- حكم مَن يتخلف عن قبول ولاية الله ويخضع لحاكمية غير الله؟

2- ماذا يصطلح على مثل هذا العمل؟

3- ما هي النتيجة المترتبة على هذا العمل؟

وهذه المسائل متفرعة عن الولاية ومن تبعاتها، وتكون من الأصول الإسلامية الثابتة بعد قبول أصل الولاية، وإن كانت مسائل فرعية وجانبية حين يقع البحث عن أصل الولاية وقبل إثباته فهي أصول بلحاظ ذاتها وإن كانت فروعاً قبل البحث عن أصل الولاية والقرآن يصطلح على كل ولاية غير ولاية الله بالطاغوت؛ فهو يؤكد أن مَن لا يخضع لولاية الله وحاكميته فهو خاضع لولاية الطاغوت وحاكميته، فما هو الطاغوت؟

الطاغوت مشتق من مادة الطغيان، والطغيان هو التعدي والخروج على الحدود الطبيعية والفطرية للإنسان، فلو أن الإنسان الذي خُلق ليصل الى كماله الممكن خرج على هذا الهدف فهو طاغوت وعلى الناس أن يعيشوا وفقاً لرسالة الله ودينه، وهذا أمر طبيعي وفطري ومطابق لخلقة الناس، والطاغوت هو ذلك الشخص الذي يستخدم مختلف الوسائل من أجل أن يجعل الناس يسيرون على خلاف نهج الله ورسالته ودينه؛ وعلى الإنسان أن يسعى بكل ما أوتي من قوة من أجل أن يجعل وجوده مثمراً منتجاً وكل دافع يتنافى مع جدية الإنسان وجهاده وكدحه ويدعوه الى الكسل والتواني والخمول وطلب العافية فهو الطاغوت، وعلى الناس أن يخضعوا لشريعة الله ورسالته ومنهجه وكل مَن يمنع الإنسان عن طاعة أمر الله ويدعوه الى المعصية فهو طاغوت، إذاً فليس الطاغوت اسماً خاصاً وليس صحيحاً ما يتخيله البعض من أن الطاغوت اسم لصنم معين، نعم يُطلق على الصنم ويسمى الصنم به لكنه ليس صنماً معيناً، وقد يكون الإنسان نفسه صنماً، وكذلك ثروته وحياته العاطلة المتراخية المترفة وكذلك أمانيه وآماله، وقد يضع الإنسان يده بيد إنسان هو صنم يغمض عينيه ويضع كل ما لديه بيده، وقد يكون الصنم هو الذهب والفضة أو النظام الإجتماعي أو القانون فليس الطاغوت اسماً لشيء محدد خاص، والذي يستنبط من القرآن الكريم أن الطاغوت مقام فوق مقام الملأ وأشراف القوم والمترفين والجبارين والرهبان، وهذا بحث غير بحثنا ولسنا بصدد الحديث عنه، وعلى هذا فكل مَن يخرج عن ولاية الله وحاكميته فلا بد أن يدخل في ولاية الطاغوت والشيطان. أما ما هو الطاغوت والشيطان، وما هي النسبة بينهما؟؟

لأن الشيطان هو الطاغوت والطاغوت هو الشيطان، كما يقول القرآن {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت}.

ثم يقول {فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً} (سورة النساء، آية 76) مكر الشيطان وحيلته وتدبيره وخططه ضعيفة، وتلاحظون أن القرآن استعمل كلمة الشيطان مكان الطاغوت والطاغوت بدل الشيطان، إذاً فالشيطان كائن وعنصر خارج وجود الإنسان ويعمل على إغوائه وإغرائه على الوقوع في المعصية والظلم والفساد والإنحطاط والذلة والتبعية والإنحراف، ويدعوه الى القيام بالأعمال الفاسدة والشريرة، وهناك شياطين من البشر ومن الجن، هناك شياطين بيننا من أقاربنا وأرحامنا، ومن الرجال والنساء، ومن مصاديق الشيطان إبليس الذي وقف مخالفاً لصفوة الله آدم (ع) حيث اعترض على أمر الله سبحانه بالسجود عند خلق آدم.

وأنا وأنتم على مدى حياتنا وسني عمرنا نلعن إبليس، الشيطان الأول المطرود من الجنّة، في حين أنه ليس الشيطان منحصراً فيه، ويحتمل أن الشياطين لم تبتدأ بإبليس ولن تنتهي به أيضاً، فالشياطين في العالم كثيرة يلمسون ويحسون ويدعون، ويشد على أيديهم، كذلك يُرَون بالعين، وفي بعض الحالات يعاصرهم الإنسان ويعايشهم، وبنحو كلي تكون الولاية غير المرتبطة بالله ولاية الشيطان والطاغوت، والذي لا يعيش ضمن القانون والأمر الإلهي وتحت ولاية الولي الحقيقي عليه أن يعلم أنه سيحيا ضمن دائرة القانون الشيطاني والطاغوتي، ويمكن أن تسألوا عن المفسدة في حياة الإنسان ضمن دائرة ولاية الشيطان والطاغوت، هذا مطلب ضمن مطالب بيّنتها الآيات التي تقدمت.

فالقرآن يوضح أن ولاية الشيطان حين تهيمن على الإنسان فسوف تتسلط على تمام الطاقات الحية والفعالة والخلاقة والمثمرة، وسوف يتسلط على كل وجود الإنسان الذي يحني رأسه للشيطان والطاغوت فسوف يلف الشيطان عنقه ورقبته بحبل ولايته المحكم، ولن يجد الإنسان منه خلاصاً، فالشيطان يقبض بيده على كل القوى والإبداعات والفعاليات الحية ومظاهر الوجود الإنساني المشرقة، وفي الوقت الذي يسيطر الشيطان على تمام الوجود الإنساني فسوف يقود بيسر ومن غير مواجهة في الطريق الذي يريده، وسوف يقوده بكل وسيلة يريدها الشيطان حيث يشاء، ومعلوم أن الشيطان لا يهدي الإنسان نحو النور والمعرفة والراحة والرفاه، لأن هذه ليست من أهداف الشيطان، بل أن الهدف الأساسي عند الشيطان والطاغوت هي المصالح الضيقة، فهو يسعى الى تحقيقها، ويدعو الإنسان الى طريق مصالحه الشخصية، ولو تدبرتم في هذه الكلمات الدقيقة سوف ترَون أن لكل جملة معنى ينطبق على الواقع التاريخي في مراحله المختلفة، فإذا خضع الإنسان لولاية الطاغوت فسوف يتسلط الطاغوت على تمام الطاقات والقوى والإستعدادات والإبداعات الإنسانية.

ومع تسلط الشيطان على الإنسان لن يسعى لتحقيق منافعه وخيره وكماله، فإن الشيطان يسعى الى تحقيق مصالحه هو، فإذا وقع الإنسان في طريقه فسوف يضحي به لتحقيق مصالحه ومنافعه ويجره الى الضلالة والغواية، فالقدرة تكون بيده.

فالآية التي سأتلوها عليكم من سورة النساء تستحق التأمل والدراسة والتدبر الدقيق {ومَن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونُصلِه جهنم وساءت مصيراً} (سورة النساء، آية 115).

وحين يدقق الإنسان في التاريخ يرى بوضوح تحقق هذا الكلام الإلهي، وهذه مسائل مهمة أهمية بالغة فهي ذات أبعاد إجتماعية خطيرة ولم نبحث عن هذه المسائل من وجهة نظر القرآن بصورة تستحق الذكر، وقليلاً ما طبقناها على تاريخنا الإسلامي، وكم هو جميل أن يقوم ذوو الإختصاص والعلاقة بالقرآن الكريم والمتمرسون بدراسته والمختصون بالمسائل الإجتماعية والتاريخية وخصوصاً قصص القرآن بالتدقيق في هذه المسائل من وجهة نظر القرآن ومقارنتها بالواقع التاريخي.

أريد أن أعرض عليكم صفحات من التاريخ لإيضاح معنى هذه الآية، مدينة الكوفة من المدن المثيرة للعجب البالغ في تاريخ الإسلام وأنتم تحملون صور وخواطر مختلفة عن الكوفة، وما أقوله ليس فيه جديد فأمير المؤمنين (ع) اختار الكوفة عاصمة لخلافته من بين أقطار ومدن الدولة الإسلامية الواسعة. وهذا من مميزات الكوفة، وقد اشترك أهل الكوفة في حروب أمير المؤمنين، فأكملوا حرب الجمل والنهروان.

وقد اشتركت مجموعة من القبائل التي تعيش في أطراف الكوفة في معركة صفي وهؤلاء الرجال من الكوفة وغيرهم أتموا تلك الحرب، وقد كان أمير المؤمنين (ع) يشكو منهم ويلومهم قائلاً: "لماذا لا تأتون حين أدعوكم الى الحرب؟". وكان كبار أهل الكوفة وأشرافهم هم الذين كتبوا للإمام الحسن كتاباً طالبين إليه المجيء حتى يمكنوه من أن يحكم مدينتهم، لكنه لم يستجب. ونفس أكابرهم كتبوا للإمام الحسين بن علي (ع) أنه ليس علينا إمام وحاكم وقائد والله قد أهلك ذلك الطاغية فأقدِم علينا. وقد قالوا ذلك حقاً وصدقاً، فإن فيهم سليمان بن صرد وحبيب بن مظاهر ومسلم بن عوسجة وغيرهم.. وأهل الكوفة أنفسهم وقفوا صفاً غير متوازن بوجه الإمام الحسين وارتكبوا تلك الفاجعة النكراء، وهم أنفسهم الذين قاموا بعد مدة قليلة من جريمتهم هذه بعمل مشرق وضّاء نادر الحدوث في التاريخ الإسلامي.

ذلك هو ثورة التوابين الذين خرجوا على الظالم طلباً للتوبة، ولأنهم لم يصلوا لنصرة الإمام الحسين في يوم عاشوراء، وقد بذرت في نفس هذه المدينة بذور أغلب الثورات ضد بني أمية وبني العباس، وقد نمت تلك البذور وانتصرت تلك الثورات، فكم قدّموا من المضحين وكم قُتل منهم، وكم قدّموا من أعمال مثمرة كبيرة؟!! ولكن من بين هؤلاء تبرز أحياناً أنواع من الضعف والكسل والخور والقصور الروحي والمعنوي، لماذا؟!!

هل لهؤلاء قلبان وروحان ووجهان؟! وتاريخ الكوفة مهم جداً، وأنا أرى أن البحث في الكوفة والدراسة النفسية لتلك المدينة بحث مهم ونافع وعمل عظيم، ذلك الذي ينجزه المتخصصون والمحققون وعلماء النفس والإجتماع، حين يدرسون تاريخ الكوفة وأوضاعها ويفكرون في ذلك، وعندئذ يوضحون ما يثير العجب من وجود مظاهر عظيمة ومضيئة للنفس الإنسانية، ومن وجود مظاهر هزيمة الوجدان والشرف وظهور حالات الضعف والتكاسل، لماذا حدث هذا؟

الكوفة مدينة ولدت تحت ظل كلمات أمير المؤمنين الواضحة المتينة.

وهل أن المحيط والبيئة هي التي تصنع الإنسان؟

الرجال العظام والمتحمسون في تاريخ الشيعة هم من الكوفة وهم أكثر من شيعة المدينة المنورة، والسبب في ذلك هو التعليمات والدروس العظيمة التي غذاهم بها علي (ع) في السنوات المعدودة التي لبث بينهم فيها، وليس سهلاً أن يحكم فرد مثل علي بن أبي طالب في مدينة.

صحيح أن حكومة علي (ع) في تلك السنوات الأربع كانت ضعيفة في العالمالإسلامي، لكنها كانت غير قاصرة أو ضعيفة في مدينة الكوفة، وكانت تظهر فيها ظواهر عظيمة فتحولت الى مهد للتشيع وموطن للفضائل والأخلاق الشيعية، وليس ضرورياً في موطن الفضائل أن يكون كل أهل ذلك الموطن من أهل الفضيلة والأصالة والمثالية، ففي المجتمع الثائر المتحمس تبرز طبقة واحدة من الناس يحملون الحماس والثورة.

ويحدث أحياناً أن يكون بين ملايين من البشر عشرات محدودة من الآلاف هم الذين يقومون بعمل بطولي، ولكن البطولة والثورة والشجاعة تسجل في حساب الملايين، وكذا مدينة الكوفة فإنه كان فيها مجموعة تستحق التقدير والإعجاب، وليست الكوفة بدعاً من بقاع الأرض وأقطارها ليس فيها مجموعة صالحة كلا.. فإن فيها مجموعة صالحة كما أن في أي بقعة من الأرض مجموعة صالحة ثائرة وليس أهل الكوفة أسوأ من غيرهم كلا.. فأهل الكوفة مثل أهل مشهد وطهران وأصفهان والمدينة المنورة وكأهل أي مدينة أخرى..

ولكن لأن هذه المجموعة المحدودة العدد التي تعيش في زاوية من العالم الإسلامي، أعني الكوفة، كانت مثال خوف الحكومات آنذاك، لهذا كانت الحكومات تعيّن عليهم أقسى الولاة والقادة وأحط الجواسيس والعيون والعملاء وأغلظ الجلادين، فاعملوا فيهم سياسة قاسية صارمة، أجرَوا بينهم إعلاماً مسموماً فاسداً وضيّقوا عليهم في المجال الإقتصادي حيث أخذوا الناس بسياسة التجويع، مما أدى بالناس بطريقة غير مقصودة أو متعمدة الى القيام بالأعمال الفاسدة المنحطة.

ولم تكن مثل هذه السياسة تجري في سائر المدن والعواصم الإسلامية الأخرى، لأن تلك المدن كانت تفقد مثل تلك المجموعة الشجاعة الثائرة لأمير المؤمنين، وكان هدف الحكومات من إجراء تلك السياسة هو تفويت الفرص المناسبة التي يمكن أن يستفيد منها أولئك الرساليون المجاهدون.

ولهذا اتبعت الدولة سياسة إعلامية مسمومة وأجرت سياستها الإقتصادية القاسية بالتجويع وقطع العطاء أو تقليله، وكذلك حكمت الناس بسياسة التخويف والرعب والضغط.

وخلاصة الأمر، أنهم استعملوا مع أهل الكوفة مختلف أساليب الضغط، ولم تكن المدن الأخرى في مثل هذا الوضع المفجع وكانت الأعمال غير الصالحة تصدر من عامة أهالي الكوفة نتيجة هذه السياسة الظالمة والنادرة الحدوث فليس منشأ الفساد عند أهل الكوفة هو المدينة التي يسكنونها، هذا عرض مختصر لتاريخ الكوفة، وفي رأيي أن مَن يطالع التاريخ ويحلله سوف يحصل على نتائج مثيرة.

فالخليفة الأموي عبد الملك بن مروان كان يعلم أنه لا يصلح لأهل الكوفة الثائرين الأبطال سوى الحجاج بن يوسف الثقفي، ولهذا عيّنه حاكماً ووالياً على الكوفة وهو أقسى الجلادين وأشدهم غلظة وأكثرهم ارتباطاً وتبعية لبني أمية.

دخل الحجاج الكوفة في منتصف الليل مع مجموعة من المسلحين ولم يعلم بدخولهم أحد من أهلها، والوالي السابق على الكوفة كان قد أُخرج أو عُومل معاملة الطريد من قبل أهل الكوفة، دخل الحجاج مسجد الكوفة في منتصف الليلة نفسها؛ وكان المسجد يدوّي بأصوات أهل العبادة والمتهجدين، أصدر الحجاج لغلمانه وجنوده أوامره وعيّن لهم أماكن استقرارهم، ومن غير أن يشعر به أحد توجه الى المسجد ودخل بين صفوف الناس ثم استلّ نفسه من بينهم ليستقر على المنبر، ولأن مسجد الكوفة واسع جداً لم يشعر الناس بما يجري أول وهلة، ولكنهم بدأوا يدركون تدريجياً ما الذي يحدث، شاهدوا رجلاً غريب المظهر والهيئة جالساً على المنبر من غير أن ينطق بكلمة، يلبس عمامة حمراء قد أنزل حنكها، وكان متلثماً لا يُرى من وجهه إلا بريق عينيه، وكانت له هيئة مدهشة، تصوروا رجلاً يحمل السيف ويلبس عباءة وعمامة حمراء يجلس على المنبر بهيئته هذه ومن غير أن يتكلم، في تلك اللحظة رفع رجل من المصلين رأسه لتقع عينه على هذا المنظر الغريب سأل الذي الى جنبه: مَن هذا؟ والآخر يسأل الذي الى صفه، وبدأت تنتشر في أنحاء المسجد التساؤلات عن هوية هذا الرجل، وانتشرت الغوغاء والضجيج، أُثير انتباه الناس بهذا الشكل فتركز اهتمامهم حول المنبر، تصوروا جيداً ماذا يقول القرآن {نوله ما تولى} مَن لا يخضع لحاكمية الله وولايته سوف يطوّق عنقه بما لا يستطيع الفكاك منه.

فأنت أيها المصلي الجالس في المسجد، أنت مسلم وترى على منبر مسجدك رجلاً لا تعرفه لماذا لا تتحرك نحوه وتسأله مَن أنت؟ لماذا لا تسعى الى معرفة هذا الرجل ثم تعرّفه للناس. وأنت أيها المصلي الثاني والثالث يوجّه إليه نفس السؤال، فلو سأل كل هؤلاء نفس ذلك الرجل عن هويته ونادَوا مَن أنت؟ فسوف يتغير الوضع، لكن هؤلاء ركنوا الى الخور وفقدوا إرادتهم، وضعفت نفوسهم وانتظروا مقالة الحجاج فيهم.

عندما رأى الحجاج أن كل العيون توجهت نحوه من غير أن يعرفوه قال لهم: سأعرفكم مَن أنا، فنزع عمامته ولثامه، ثم قال: أنا ابن جلاّ وطلاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني.

وكان هناك واحد أو اثنان من أهل الكوفة يعرفون الحجاج لأنه كان قد جاء إليها مرة في فترة سابقة، فقال مَن يعرفه: هذا هو الحجاج؛ نعم إنه هو.. فشج المسجد بخبر دخول الحجاج وداخل الناس رعب شديد. ثم قال الحجاج: أنا الحجاج، وصحح فهمكم. وكان الخوف والرعب يخيّم على الناس، ولم يقل أحدهم لنفسه: الحجاج رجل وأنا رجل، هو فوق المنبر وأنا تحته، وكل ما عنده عندي؛ ولكن ضعف العزيمة كان سائداً بين الناس.

قال الحجاج: يا أهل الكوفة إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها. عندما سمع الناس هذا التهديد الفارغ في حقيقته زاد رعبهم وهلعهم.

هل دخل الحجاج الى الكوفة وهو يحمل قنبلة ذرية؟

ولو كانت معه لما فجرها لأنه لو فعل ذلك لما بقي أحد حتى يكون ولياً وحاكماً عليه، لا بد من بقاء مجموعة لأنه لو قتل الجميع فسوف لن يكون حاكماً على أحد. وليس ثمة حاكمية على الباب والحائط والتراب والحجر.

لم يفكر الناس بهذه الأمور بعد أن قال الحجاج: إني أرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها. ثم أضاف: وأنا أحدد الآن أي رأس سوف يُقطف، ونادى غلامه فنهض وقال له: إقرأ كتاب أمير المؤمنين (عبد الملك بن مروان) لأهل الكوفة؛ فتح الغلام كتاب عبد الملك فقرأ مطلعه وقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، من أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان الى أهل الكوفة: يا أهل الكوفة سلامٌ عليكم..

عندما قرأ الغلام هذا الكلام قاطعه الحجاج وقال له: أسكت، ثم التفت الى الناس وقال: إنكم تسيؤون الأدب فأنتم لا تردّون سلام أمير المؤمنين. ثم قال: أكمل يا غلام..

قرأ الغلام ثانية: يا أهل الكوفة سلامٌ عليكم. عندها ضج الناس من أنحاء المسجد وبصوت عالٍ: وعلى أمير المؤمنين السلام. إبتسم الحجاج راضياً وقال لنفسه: إنتهى الأمر. وكان ما قاله صحيحاً تماماً، فإن رد السلام على أمير الكافرين والفاسقين يعني قبول ولاية الحجاج وحكومته. وبهذا الشكل انتهت مقاومة أهل الكوفة.

{ومَن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى}

وحين أجبتم يا أهل الكوفة الحجاج وأردتمونه فهو لكم وهو وليكم والله سبحانه لا يخرج الحجاج عن ولايتكم بطريق إعجازي ليضع مكانه الإمام زين العابدين (ع) كلا فالحجاج لكم وما دمتم تحبونه فكل حياتكم وفكركم وروحكم طوع أمره، هذه هي سنة الحياة والكون والتاريخ.

بعد قراءة كتاب عبد الملك نزل الحجاج من المنبر ليتوجه الى دار الإمارة وكان جمع من أهل الكوفة قد ساندوا أحد الخارجين على الدولة ولعله محمد بن الأشعث، فأراد الحجاج أن يلعب لعبة جديدة فقال لأهل الكوفة: يلزمكم الإحتياط فتأتونا جميعاً لتعترفوا بأنكم قد كفرتم ثم تؤمنوا من جديد وتتوبوا.. فاستجاب له الهمج الرعاع وبقي المخلصون من أهل الكوفة فإنهم لم يكونوا على استعداد للإستجابة، بقي بعضهم في بيته وشحذ بعضهم الآخر سيفه وبعضهم عمل غير هذا، ذهب الناس جماعات جماعات الى دار الإمارة ليشهدوا على أنفسهم بالخروج على دين الله والإرتداد عن الإسلام، وبعد أن شهدوا بذلك تابوا قائلين: تبنا وندعو الله أن يقبل الأمير توبتنا لأننا نريد أن نكون على الإسلام.

وكان هناك شيخ طاعن في السن قد تقدم نحو الحجاج فبادره الحجاج لما شاهد عليه من سيماء الوقار والهيبة: كأنك شاكٌّ في كفرك؟. ومعنى هذا الكلام أن يرد على شكّه بقطع رأسه بالسيف. فقال له الشيخ: كلا فأنا أكثر الجميع كفراً. هذا مقطع من التاريخ، والتاريخ درس الحياة، والرجل العاقل مَن يدرس التاريخ والحياة ليكون له عمران يقضي أحدهما مجرباً باحثاً، ويقضي آخر في تطبيق ما حصل عليه من خبرات وتجارب.

وتجربة التاريخ وحوادثه هي عمرنا الأول - دققوا في التاريخ واستأنسوا به واحرصوا على أن تلتقطوا ما في أعماقه ولا تكتفوا بمطالعة التاريخ وتلاوته للمطالعة فقط من غير ملاحظة وتدبر، بل لاحظوا ما الذي يريد أن يقوله لنا التاريخ، وما الذي تخبرنا به وتقوله لنا قصة الحجاج، وليس ضاراً أن أّضيف هنا أن الحجاج هذا قد قُتل بأبشع صورة بيد هؤلاء الذين ارتكب كل تلك الجرائم والفجائع من أجلهم، وليس ضاراً أن تعرفوا أن مَن أعان ظالماً سلطه الله عليه.. وهذه سنّة أخرى...

لاحظوا عظمة الدروس التي يقدمها لنا التاريخ، ولاحظوا أهمية مقولات التاريخ وسننه، سيروا مع التاريخ مع كمال التدقيق، سوف ترَون أن الآية القرآنية يتضح معناها بكل يسر وقد عرضت عليكم شيئاً من مقاطع التاريخ وعليكم مهمة الإتصال والإرتباط بالتاريخ..

وأرجع الآن الى الآيات القرآنية {وإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم} فأنت عندما تقرأ القرآن وتطّلع على المفاهيم الإسلامية سوف تدخل في حمى الله سبحانه وتلوذ به من الشيطان الذي لا يريد أن تعرف القرآن وتفهمه، فاسعَ الى أن لا تُسلَب منك معرفة القرآن المستحكمة في قلبك لتفتح لك هذه المعرفة طريق الوعي والعمل، ومن أجل هذا استعذ بالله من الشيطان الرجيم.

إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون فالشيطان الضال المضل لا يتسلط على المؤمن، فتوكل على الله واعتمد عليه، والشيطان لا يتسلط على مَن يخضع لولاية الله ويدخل في دائرة حاكميته{إنما سلطانه على الذين يتولونه} مَن يخضع لولاية الشيطان فهو وليه {إنما سلطانه على الذين يتولونه} والآية تفيد حصر ولاية الشيطان في دائرة مَن يرتضي ولاية الشيطان ويخضع له. {والذين هم به مشركون} (سورة النحل، آية 100) وتقدم في آية من سورة النساء تلوناها {ومَن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتّبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى}.

فيجعل الله مَن تولى الشيطان قائداً له وحاكماً عليه وولياً على أموره {ونصْلِه جهنم وساءت مصيراً} (سورة النساء، آية 105).

{إن الله لا يغفر أن يُشرك به} عليكم الرجوع الى أبحاث التوحيد لتعرفوا معنى مصطلحَي التوحيد والشرك وتحددوهما، فما الشرك وما التوحيد؟ وما هو الذنب الذي لا يتجاوز عنه الله سبحانه ولا يغفره؟ إن الله لا يغفر أن يُشرك به في الولاية، والمشرك الذي لا يُغفر له هو من منطقة النفوذ الإلهي الرباني لغير الله، واستقرت في روحه جراحات المعاصي والتخلف عن أمر الله ورسالته، وهذه الجراحات لن تلتئم، فلا يُغفر له. والغفران يعني التئام الجراحات التي تسببها المعاصي والإنحرافات، فإذا أشركت غير الله في الولاية فلن تذهب عنك آثار المعاصي وجراحاتها.

{ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} ويغفر الله غير الشرك من المعاصي، وطبيعي أن هذه المغفرة تأتي بعد التوبة والتدارك، فالذي يتوجه الى الله يتوجه الله إليه ويغفر له. ومَن يشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً وابتعد عن الهداية.

قد يضل الإنسان ولا يهتدي الى الطريق في الصحراء ويبتعد مقدار كيلومتر واحد، ولكن هذا الإنسان لو ضل الطريق عشرات الكيلومترات فلن يسهل عليه الرجوع ويحتاج الى جهد كبير وتعب شاقّ وتيقظ بالغ ودليل قوي ليرجع الى الطريق. وأولئك الذين أشركوا قطعوا مسافة شاسعة مبتعدين عن الهداية الربانية وعن طريق الله الوسطى.