الموضوع: الثورة الإسلامية مظهر لتحرك الدين بوجه الطواغيت

المناسبة: حلول شهر رمضان المبارك

الحضور: كوادر النظام ومسؤولي الحكومة

الزمان والمكان: 5 رمضان 1423هـ ـ 11-11-2002 م - طهران

أجواء الكلمة

إن الطواغيت أبرز أعداء الدين على مر التاريخ {الذين آمنوا يُقاتلون في سبيلِ الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت}، وفي القرآن الكريم وُضع الطاغوت والله، والطاغوت والدين في مواجهة بعضهم البعض، وإذا ما طالعتم القرآن تجدونه يزخر بمقارعة الطواغيت وهم القوى التي تستحوذ على الثروة والقوة عبر التاريخ، أولئك الطواغيت والعتاة الذين يأبون الالتزام بالحدود التي وضعها الدين لغرائز الإنسان وغروره بل يحاولون انتهاك هذه الحدود.

في لقائه كوادر النظام ومسؤولي الحكومة تطرق ولي أمر المسلمين سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله) إلى الوضع المضطرب الذي تعاني منها البشرية والمشاكل التي تلف العالم المعاصر ناجمة عن الابتعاد عن تعاليم السماء وإطلاق العنان لنزوات الأنانية وحب الذات لدى الأقوياء والطامعين، كما أشار سماحته إلى دور الطواغيت في عدائهم للدين وإنتهاكهم للحدود التي وضعها. كما تطرق سماحته إلى:

ــ ضرورة استلهام العبر والدروس من شهر رمضان المبارك

ــ السير على نهج وخطى الشهيد العظيم أمير المؤمنين (عليه السلام)

ــ إقرار العدالة والأحكام الإسلامية في المجتمع

ــ الابتعاد عن الثقافات الغربية

ــ ضرورة الحيطة والحذر مما يحوكه الطواغيت والأعداء ضد النظام الإسلامي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

قال الله الحكيم في كتابه: {كُتب عليكم الصيام كما كُتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون}.

إنها جلسةٌ يُكَلِّلُها الصفاء والخلوص؛ وأبهى ما في هذه الجلسة اجتماع كوكبة يُعتدُّ بها من القائمين على خدمة النظام الإسلامي والبلاد والشعب هنا؛ فهي جلسةُ تعارفٍ وأنسٍ وأُلفةٍ وجلسةٍ نستذكر فيها ما نشترك فيه من مسؤوليات وعهد مع الله والإسلام وإمامنا العظيم وشعبنا العزيز؛ فنتمسك بها ونرسِّخ عزيمتنا على المضي في هذا الدرب. والأجواء هي أجواء شهر رمضان والصيام والعبادة النفسية للغاية، وإنني أتقدم بالشكر للسيد رئيس الجمهورية المحترم الذي أجاد التطرق في كلمته للبعد المعنوي لشهر رمضان، فعلينا استذكار هذه المعنويات على الدوام في كل مجريات تفكيرنا وعملنا.

في هذه الآية فرض الله سبحانه وتعالى علينا الصيام مُحَدِّداً التقوى غايةً منه، {لعلكم تتقون} أي أن الصيام يعيننا على التحلِّي بالتقوى بما تعنيه من مراقبة النفس، وقد عَرَّفَتْ الروايات التقوى بأداء الواجبات وترك المحرّمات، فمفهوم التقوى أن يراقب المرء نفسه؛ أي يراقب مسيرته وتوجهاته وتحركاته وزاده الفكري وإيمانه، فعلى الإنسان أن يراقب نفسه من أجلِ أن يحصل شيء ولا يحصل آخر، إذ من المتعارف أن الغاية من المراقبة أن يقع أمرٌ دون أن يقع آخر فالذي نحرص على أن يقع هو سلوك الصراط المستقيم فعلينا مراقبة أنفسنا لأن نتحرك في الصراط الإلهي المستقيم وباتجاه الهدف الذي خُلقنا من أجله وشخّصه الإسلام لنا، وأن نحذر لئلاّ نقع في الانحراف والانزلاق، إذ أن طبيعة الإنسان الوقوع في المنزلق لأن عوامل الانزلاق والانحراف كامنة في أعماقنا وإذا لم يتم ضبط وترشيد غرائزنا فإن بإمكان أيٍّ منها أن تصبح نافذةً وقناة لسقوطنا وجنوحنا عن الصراط المستقيم وأبرز هذه الغرائز حب الإنسان نفسه، وهذه الغريزة ــ بطبيعة الحال ــ ملازمة لوجود الإنسان، فحب الذات هو الذي يدفع الإنسان نحو الحركة التكاملية لتسلق قمم العروج الإنساني، ولكن إن لم يتم ترشيد حب النفس سيخلِّف انحرافات كبرى؛ فاكتناز الثروة وحب السلطة والشهوات وطمع الإنسان وطغيانه والانحرافات الكبرى التي يشهدها التأريخ البشري وما وقع ويقع من ظلم فضيع إنما تعود بأجمعها إلى غريزة حب النفس التي أطلق البعض عنانها وبسببها ارتكبوا الأخطاء والممارسات الخيانية والكوارث المريعة.

إن حب النفس من الغرائز التي إن لم تخضع للرقابة والمحاسبة فإن حالات الطغيان التي تفرزها ستأتي على القيم الإنسانية والسماوية الراقية وتسحقها وتطيح بكافة الحقوق ليسحقها الإنسان الطائش المنحرف بظلمه وطغيانه وتمرده؛ وهنالك عوامل متعددة من شأنها أن تكفل هذه الهداية في أعماقنا بيد أن أهمها جميعاً تقوانا، فعلينا أن نراقب أنفسنا ونحوطها ولا نغفل عن عيوبنا، فحب النفس يجعل الإنسان يرى في نفسه الكثير من العيوب التي يراها في غيره ويغضب لها، لكنه يغض الطرف عنها، إذ أن الكثير من الأخطاء التي نستهجنها من الآخرين ونجاهر بالتحامل عليها أحياناً؛ إذا ما حصلت فينا فإننا ننظر إليها بعين التغافل وهذا نتيجة فقدان الرقابة، أي إننا نمر مروراً سطحياً على خطايانا والعيوب والإشكالات الكامنة فينا، وهذه المعايب إنما تطرأ متى ما فُقدت العين الثاقبة للرقيب الذي يتحرّى العيوب ويدفع الإنسان لمراقبة نفسه مراقبة دائمية، بناءً على هذا فإن التقوى على هذا القدر من الأهمية.

لاحظوا الشهيد العظيم في هذا الشهر ــ أمير المؤمنين "عليه الصلاة والسلام" ــ فإن أهم الفصول التي أولاها اهتماماً وركَّز عليها في كلماته هو فصل التقوى، فالتقوى تملأ نهج البلاغة من أوله إلى آخره، والدعوة إلى التقوى زخرت بها كتبه وخطبه، فالتقوى عماد فلاح الإنسان والمجتمع وعلينا أن لا نستهين بها، كما أن التقوى ليست مما يُفرض على الإنسان؛ بل لابد لنا نحن توجيه التحذير لأنفسنا وأن نلقِّن أنفسنا ذكر الله والتوجه إليه والاهتمام بالتكليف والتحلي بالصدق، وإن نحث أنفسنا لتجنب الانحراف عن الصراط المستقيم. فالصيام إنما يعيننا لسلوك هذا الطريق.

إن شهر رمضان فرصة لالتزام المزيد من التقوى، لماذا؟ لأن شهر رمضان شهر كفِّ النفس وردعها، ويتمثل الحد الأدنى لهذا الردع في الامتناع عن الأكل والشرب واللذائذ الجسمية، غير أن أقصاه هو الامتناع عن المعاصي والأخطاء الأخلاقية والسلوكية، وهذا ما ورد في معنى الصيام ووظائف شهر الصيام التي جاءنا الحث عليها والترغيب بها، فإذا ما صمنا فإن هذا الامتناع الذي نتمرس عليه خلال هذا الشهر يقرّبنا من تلكم التقوى والرقابة، إذ نراقب أنفسنا لئلاّ نحيد عن الصراط المستقيم، وهذا الامتناع بمثابة المران والمراقبة في نفس الوقت، وهذا هو تكليفنا ونحن نعيش أجواء شهر رمضان المبارك.

في شهر رمضان يقدّر الله سبحانه وتعالى لعباده بركاته ورحمته ففي رواية أن أبواب السماء مفتحة في شهر رمضان أي إن العلاقة القلبية بين الإنسان وبين الله تغدو أكثر سهولة من أي وقت. وفي رواية أيضاً إن أبواب الجنة تُفتح في شهر رمضان أي أن الفرصة تتهيأ أمام الإنسان للتوفيق لعمل الخير بفضل الصيام والتوجه والخشوع الذين يعدّان من لوازم الصيام، ولا تعني الفرصة ــ بطبيعة الحال ــ تحقق ما يصبو إليه الإنسان منها بل هي تستدعي منّا الإرادة والدأب والرغبة والحركة. على أي حال هذه الفرصة سانحة وبمقدورنا الانتفاع منها واستثمارها.

إنني وحيثما أنظر إلى الوضع المضطرب لعالم اليوم يخالجني شعور وطيد بأن مشاكل العالم المعاصر والمعضلات التي تعانيها البشرية إنما ناجمة عن ضعف التقوى والورع وإطلاق العنان لنزوات الأنانية وحب الذات لدى الأقوياء الطامعين بالتسلط، وإلاّ فلولا غرور وطغيان جبابرة العالم والأقوياء الفاقدين للتقوى فإن الإنسان لا يعاني نقصاً في طبيعته ووجوده الإنساني وقابلياته، فالإنسان المعاصر بإمكانه العيش بأمنٍ وسلامة في بدنه وروحه، والدنيا بوسعها أن لا تشهد الهوة العظيمة بين الأثرياء ومكتنزي الذهب وبين جياع العالم، وبالمقدور توفير الأمن للدنيا بأسرها وأن تغيب هذه الحروب وعمليات سفك الدماء والإبادة الناجمة عن حب السلطة التي تعج بها الدنيا ولو قُدِّر للبشر أن يسلكوا طريق الدين لتحققت كافة هذه الطموحات {يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام} {والله يدعو إلى دار السلام ويهدي مَن يشاء إلى صراط مستقيم}.

إن الدعوة التي تحملها الأديان الإلهية إنما هي باتجاه سلام البشر وأمنهم واستقرارهم وليسَ باتجاه التوتر والشقاء والفقر والحرب والإبادة، غير أن الأديان الإلهية ومنذ بداية ظهور الدين ــ أي خلق الإنسان ــ وحتى يومنا هذا عانت من عداء الجبابرة والسلطويين؛ هؤلاء الذين يحاولون إحكام هيمنتهم أو الإبقاء عليها في كل بقعة أو زاوية من العالم فيها حياة للبشرية وذلك عبر اعتمادهم على قوتهم. فالدين واجه على الدوام هذا العدو الرهيب والخطير.

لقد واجه الدين الجهل أيضاً غير أن الجهل أمرٌ يزول بمرور الزمن في مواجهته للدين، أي حينما يطل الدين بصورته الحقيقية فإن ظلام الجهل يولِّي بشكل تلقائي كذوبان الجليد حين تشرق عليه الشمس أو كزوال ظلام الليل في مقابل النهار وأشعة الشمس، وما يؤدي إلى استحكام جدار الجهل هو تدخل قوى الظلم وذوي المعرفة من أعداء الدين.

إن الطواغيت أبرز أعداء الدين على مر التاريخ {الذين آمنوا يُقاتلون في سبيلِ الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت}، وفي القرآن الكريم وُضع الطاغوت والله، والطاغوت والدين في مواجهة بعضهم البعض، وإذا ما طالعتم القرآن تجدونه يزخر بمقارعة الطواغيت وهم القوى التي تستحوذ على الثروة والقوة عبر التاريخ، أولئك الطواغيت والعتاة الذين يأبون الالتزام بالحدود التي وضعها الدين لغرائز الإنسان وغروره بل يحاولون انتهاك هذه الحدود، أي بما يعاكس بالضبط النقطة التي يوصي بها الدين وهي التقوى، وكل ما نشاهده منذ بداية تأريخ الإنسان وحتى يومنا هذا إنما على هذا المنوال حيث الاستكبار والعلو وانتهاك الحدود ــ انتهاك حدود الإنسانية والتمدد على حدود الآخرين ــ هو العدو والنِّدْ الرئيس للدين، من هنا حيثما ارتفعت راية للتدين اصطف بوجهها طابور طويل وعنيد من الأثرياء والجبابرة، وفي كافة العصور أينما انطلقت دعوة للدين وعلت رايته كان أهل الدنيا والأثرياء والجبابرة في العالم عدّوها الأول واللدود، هؤلاء الذين أَبَوا الانصياع لقيود الدين التي فرضها على غريزة الأنانية وغرائز الطغيان لدى البشر، فهم لم ولن يقبلوا بأي حدّ.

لقد واجهت ثورتنا هؤلاء الطواغيت منذ البداية. ولكن ــ بطبيعة الحال ــ فإن الدين والروح الدينية والتحرك الديني يتميز بقدرته العالية في مواجهة الطواغيت، أي أن الدين هو الوحيد الذي يقوى على قصم ظهر القوى الكبرى حقاً والقضاء عليها وتدميرها، وإن أهل الدين هم أفضل العناصر وأقواها في قدرتهم على مواجهة هؤلاء الطائشين وإنزالهم من على عرش السلطة {أنِ اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فلقد كانت دعوة الأنبياء من البداية إلى عبادة الله واجتناب الطاغوت، وإذا ما شاهدنا اشتداد عداء القوى الكبرى لدين الله وراية الرسالة الإلهية فلنعلم أنه أمر طبيعي ودائم إذ أن الأمر كان سيبقى كذلك، فحيثما كانت هنالك دعوة دينية ــ بالمعنى الصحيح والحقيقي للكلمة ــ فثمة مناوءة تقابلها من قبل عبيد الدنيا وأهلها. فعلى أهل الدين أن يتجهزوا ويتقوَوا ويستثمروا ما وهبهم الدين من قدرات بأقصى حدودها ولا يَدَعُوا العدوان والظلم والتجاوز إن يطالها، وهذا ما هو ممكن، وحتى لو تغافلنا التاريخ وأهملنا التاريخ وتحليله فقد شاهدنا ذلك في عصرنا.

إن الثورة الإسلامية مظهر لتحرك الدين ومبادرته بوجه الطواغيت، فالتحرك والحافر الديني وعنصر الدين هو الذي دفع هذه الثورة للحركة ومضى بها قُدماً، ولقد قيل وكُتب الكثير حول ثورتنا ــ بما فيها من مجالات كثيرة وجذور تأريخية وحوافز متعددة ــ وهي في أغلبها صائبة في محلّها بيد أن الأمر الهام هنا هو ما استطاع جَمعُ شعبٍ بأكمله حول محور واحد ويجعل قواه تقف متحدة بوجه الطاغوت ويقع ما لم يكن في الحسبات في ضوء أي تحليل سياسي ــ أي الإطاحة بحكومة تستند إلى القوى الطاغوتية وتقوم على أساس متبنيات طاغوتية ويقيم حكومة تقوم على أساس الإسلام والدين، ولم يكن ذلك سوى الدافع والإيمان الديني والشعب المؤمن المتديِّن وهذه الحركة العملاقة التي لم تتوقف، وإن ذات الأطراف التي تصدت للدين وواجهته على مر التاريخ كانت موجودة في زماننا أيضاً وقد تظافرت بأجمعها حتى يومنا هذا وبذلت مساعٍ محمومة عداءً للإسلام ومسيرة الدين وحضوره ومناوءة للثورة والنظام الإسلامي، فحرِيٌّ بنا أن لا نغفل هذا الأمر.

إنني أقولها هنا: ينبغي أن لا يُفهم التصور بوجود أعداءٍ كبار في مواجهتنا بأن الدنيا بأسرها تناصبنا العداء بشعوبها وأناسها وعلمها، كلا فليس الأمر كذلك، وإنما هنالك مراكز سلطوية ترى بقيام الإسلام والحكومة الإسلامية والدينية بصيغتها الصحيحة المتقنة الجذابة من قبيل ما هو قائم في بلادنا والحمد لله أمراً يتناقض مع مصالحها ــ سواءً توسعاً أو استمراراً وبقاءً ــ لذلك فإنها تناهضها وتقارعها، وهذا لا يعني ــ بالطبع ــ إننا سنقاطع العالم، كلاّ فلَسْنا نقاطع العالم بل نستثمر قصارى طاقاتنا وقوانا وقابلياتنا لتقليص حدة عداء العدو لنا ومن ثم مواجهته ونحافظ على كيان النظام الإسلامي ولكن ينبغي عدم الغفلة عن مكر العدو وخداعه وتواجده وأحابيله.

إننا اليوم جميعاً مكلفون وأعظم واجباتنا الدفاع عن النظام الإسلامي الذي هو عبارة عن: إقرار العدالة والأحكام الإسلامية في المجتمع أولاً. وأن يتصدى الصالحون الأكفاء لهذا العمل ــ فمن المتعذَّر إقرار الحكم والعدالة الإسلامية في المجتمع دون وجود الأكفاء الصالحين ــ ثانياً، ووجود الثقة والقناعة والرضى لدى الشعب والعلاقة الوثيقة بين منظومة القائمين على الخدمة والشعب ثالثاً، فلن تتحقق الفلسفة من قيام الحكومة الإسلامية إذا ما نقص أيٌّ من هذه المرتكزات الثلاث، فإذا لم نجعل هدفنا إقرار العدالة الإسلامية وتطبيق الأحكام الإسلامية وربطنا ثقتنا وإيماننا بغايات أخرى فلن يصان هذا النظام وهو ليس نظاماً إسلامياً بالمرّة.

لقد أكدتُ مراراً بأن علينا أن نستَلْهم من الإسلام شكل النظام وروحه ومضمونه، وليس عن المدارس الغريبة، تلك الثقافات التي أرادت لمنطقها وفكرها وخطها أن يسود العالم، أي أن ترتضي سائر الشعوب ما كانت قد رسمته تلك الثقافات لها. علينا أن لا نسْتَسْلِم لما يحوكه الآخرون بشأننا، وأن نسعى من أجل ما فيه مصلحتنا وحاجتنا وما هو حق في ضوء عقيدتنا وإيماننا وتلك هي الأحكام الإسلامية والقسط الإسلامي وخط الإسلام وذاك ما عرَّفنا به النظام الإسلامي وقلنا أن الهدف من حاكمية الشعب الدينية إقرار القيم الإسلامية وتطبيق الأحكام والقوانين الإسلامية وتجسيدها، فإذا ما طُبقت هذه القوانين إذ ذاك ستتحقق العدالة الإسلامية بمعناها الحقيقي في المجتمع، ولابد ــ بطبيعة الحال ــ أن يتصدى الصالحون الأكفاء لتنفيذ هذه المهام.

على كافة مسؤولي النظام في مختلف المرافق، في السلطات الثلاث وخارجها ــ حيث هنالك بعض الشخصيات التي تتحمل مسؤوليات إزاء النظام لكنهم ليسوا ضمن أجهزة الحكومة من قبيل الكثير من العلماء والمفكرين وأئمة الجمعة ــ أن يعتبروا هذا الصلاح والجدارة شرطاً أساسياً في عملهم ويحافظوا عليه، وهي تلك التقوى التي أشرنا إليها، وكلَّما ازدادت مسؤوليتنا جسامة ازدادت هذه الرقابة ضرورة بالنسبة إلينا، وكلما تضاعفت مسؤوليتنا ثقلاً ودورنا تأثيراً داخل النظام تضاعف ضرر الاختلال الذي يطرأ في أخلاقنا وسلوكنا وتقوانا، وكلنا شركاء في وجوب تحمل هذه المسؤوليات ونعزِّز هذه التقوى في أعماقنا.

باعتقادي أن النظام الإسلامي يتميز اليوم بموقفٍ أكثر حساسية من الماضي إزاء الأحداث العالمية المهمة وأن الأنظار والمشاعر متوجهة نحو النظام الإسلامي، وثمة خطر تفرزه تخرصات الأعداء من قبيل الأخطار التي تفرزها التحليلات والأخبار والتيارات السياسية في العالم ومن السهولة مشاهدتها ولمسها. وتارة يجري الحديث عن خطر الهجوم العسكري وأخرى عن السعي لزعزعة أمن البلاد، وكلاهما قائمان وإن كان الأول ضعيفاً، وكذلك خطر محاولة العدو وسعيه من أجل إطاحة النظام وانهياره من الداخل حسب تعبيرهم ــ فهذه أخطار يتعين على مسؤولي النظام أن يأخذوها على محمل الجدّ.

إن اخذ الخطر على محمل الجدّ إنما يعني التحلي باليقظة والاستعداد وشدّ الأحزمة، وليس بمعنى قدرة العدو على القيام بما يحلو له، كلا، فالعدو وعلى مدى ثلاث وعشرين سنة يحاول تمرير هذه الأعمال داخل البلاد، ثلاث وعشرون سنة والعدو يحاول الإطاحة بالنظام وتفتيته والقضاء عليه وتوجيه الضربة له، لكنه عجز لحدّ الآن وصمد النظام شامخاً صلباً قوياً والحمد لله.

إن وجود العدو والخصومة وإضمار العداء لا يعد دليلاً على أن العدو سيحقق النجاح، وإنما دليل على وجوب أن لا نغفل فبمقدار غفلتنا نكون قد وفرنا النجاح للعدو. هذه الأخطار والتهديدات التي تحيق بالنظام الإسلامي.

الوفاق الوطني واجب الجميع اليوم، وان الانصياع أمام التركيبة العامة للنظام الإسلامي من واجباتنا نحن المسؤولين، وان الأمور التي ربما تكدّر قلوب الجماهير إزاء النظام والأهداف التي يرسمها إذا ما صدرت عن أيّ من المسؤولين ــ سواء كانت قولاً أو فعلاً أو سلوكاً ــ فهي خلاف الواجب والتكليف والحق، فعلينا إلتزام الحذر، فالممارسات التي من شأنها إثارة التشاؤم والشكوك لدى أبناء الشعب إزاء صلاح مسؤولي النظام إنما هي تتنافى مع الحق ويجب تحاشيها، فإذا ما شعر أبناء الشعب بأن بعض مسؤولي النظام دخلوا تنافساً من أجل الدِّعة ونيل الثروة وجمعها لصالحهم فإن ذلك مما يوجه لطمة لإيمان الشعب وثقته بالنظام ويقضي على الدعامة الإسلامية للنظام وهي إيمان الشعب وهذا ما يريده العدو.

إنني ومنذ سنوات خَلَت ــ وليس الآن ــ كررت الحديث عن قضية احتراز المسؤولين عن الأمور التي من شأنها تلويثهم، غاية الأمر إن المرء يشعر بضرورة الحديث عن هذا الأمر مراراً كي يستقر في القلوب والآذان وذلك لعظم الضرر الذي ينجم عنه، وينبغي عدم تهويل الأمر فإنني أذكّر المسؤولين بذلك باعتباره أمراً مضراً وخطراً ليحذر المتيقظون الواعون ويضاعفوا الرقابة على أنفسهم وعلى من تحت إمرتهم ومقربيهم، ولا يذروا الذين وقعوا ضحية المنزلقات ــ لا سمح الله ــ أن تسلب هذه المنزلقات زمام الأمور من أيديهم فتجرفهم نحو الهاوية، ولينتبهوا، وهذا الكلام لا يعني أن المسؤولين بأجمعهم أو أغلبهم أو نسبة كبيرة منهم يعانون هذه المشاكل فمن الخطأ تهويل وسائل الإعلام لهذه الأمور، فالمرء يشاهد أحيانا أن هنالك تهويلاً للأمور وان العدو ليرغب في تهويل مثل هذه الأمور وإشاعتها في أذهان الناس.

ما أُركّز عليه هو أن لا تدعوا التنافس من أجل الدِّعة واكتناز الثروة ــ إن كان سائداً بين البعض ــ أن يتسمر ويتسع، فالمسؤولون يتمتعون بالمستوى المتوسط من المعيشة، فيما ينبري البعض خلال فترة تصديهم للمسؤولية لاستغلال هذه الفرصة ــ وذلك لعلمهم بقصر مدة المسؤولية ــ ويقومون باكتناز الثروة ومحاولة ضمان مستقبلهم، أو هنالك أناس يحاولون الاحتفاظ بالسلطة لأنفسهم إلى الأبد وهذه من الأمور التي تجرف الإنسان نحو الطغيان ومن حالات عتوّ الإنسان أن نحاول الاستحواذ والى الأبد على السلطة التي خوَّلها إيانا النظام الإسلامي أو استغلال الإمكانيات والفرصة المتاحة أمامنا من أجل المتع واللذائذ الشخصية وغير المشروعة، وهذه بأجمعها من الزلاّت والمنزلقات التي يجب تجنبها بحزم فعلينا إلتزام الحذر.

إنني أعرف الكثيرين ممّن يتبوَّؤن المسؤوليات المهمة والحساسة ويتمتعون بكامل الصلاح ويعملون في سبيل الله بلا توان ودون طمعٍ ولا هم يطالبون بشيء، وإنني لا أتصور العثور على أمثال هؤلاء الصالحين المؤمنين الذين يتوفرون لدينا ــ والحمد لله ــ بمنّة من الله في أيّ من بقاع العالم، غاية الأمر أن ما يعاني منه النظام الإسلامي من خلل وضعف ونقص حتى وان كان قليلاً فإنه يعدّ مضراً له ولشأنه ومكانته إذ أن العدو يقوم بتهويل ذلك محاولاً نشر هذه المفاسد داخل المجتمع وفي أوساط المسؤولين بالذات، فمن المهام الأساسية لعملاء العدو على مدى السنين الطوال والمديدة لتواجد الاستعمار والأيادي الأجنبية في إيران كان إفساد الصالحين من الناس ومدّ الطائشين بالأموال وتلويثهم بالملذات والشهوات. وإنَّ المرء ليشاهدهم يمارسون هذه الأعمال الآن أيضا، فلا بد من الحذر جيداً، وإنَّ هذا من الأمور التي نحن بحاجة لها اليوم.

ما أريد قوله لكبار المسؤولين في النظام هو أن ينصَّبّ سعيهم على التعاون فيما بينهم، فالتعاون الذي يسود بين كبار المسؤولين في النظام من شأنه أن يصبح دستور عمل للطبقة الوسطى من المسؤولين، فلا مصلحة أبداً في التنازع والتناحر والتعلل بين كبار المسؤولين في النظام. ولحسن الحظ فإن المسؤولين من الطراز الأول في النظام حذرون من هذه الأمور فهم أناس قد أسبغ الله عليهم هدايته على أمل أن يكونوا من المشمولين بهداه تعالى على الدوام إن شاء الله، ولكن لا بد من توخّي الحذر والانتباه والدقة كثيراً فالعدو اليوم يستغل أدنى ضعف يبرز في اقوالنا وأفعالنا وتصرفاتنا.

إنني غالباً ما أوصي الأصدقاء بأن أهم أدوات القائد لتحقيق الأهداف العليا والسامية لنظام الجمهورية الإسلامية هي هذه القنوات القانونية أي السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، فإذا ما نادينا بإقرار العدالة الإسلامية، وإذا ما حذَّرنا المسؤولين من الفساد الاقتصادي، وإذا ما أكّدنا مراراً على إزالة مقومات التمييز، فإن هذه القنوات القانونية هي الآليات التي نمتلكها بالدرجة الأولى وليس شيئا آخر. ولقد أوصيت السلطة التنفيذية مراراً أن يبادر المسؤولون فيها لعلاج المخالفات وحالات الخلل أو ضعف الأعمال داخل السلطة التنفيذية لئلاّ يصل الدور لرقابة السلطة القضائية، وأوصيت المسؤولين في السلطة القضائية أيضا بأن يتوخوا الحيطة في أعمال السلطة القضائية في شتى المجالات، في تطبيق الأحكام وفي الإدارة الصحيحة للحاكم لئلاّ تتحول إلى ذريعة بأيدي الآخرين ويأخذ المنتقدون من الأصدقاء والطّعانون من الأعداء بالتشكيك بالسلطة القضائية ولئلاّ تسقط الآلية المهمة لإقرار العدالة في المجتمع ــ السلطة القضائية ــ من الأنظار وتفقد تأثيرها، كما إنني أوصي النواب المحترمين في مجلس الشورى الإسلامي على الدوام أن يأخذوا بنظر الاعتبار مصالح الشعب وحاجاته الحقيقية والاهتمام بها وإزالة النواقص والفراغات القانونية الضرورية للتطبيق السليم ــ سواء في السلطة التنفيذية أو السلطة القضائية لتسهل عملية إدارة البلد.

إن آلية إدارة البلاد تتمثل في عمل السلطات الثلاث بواجباتها، وهي التي تمثل أدوات القائد في المبادرة، وإذا ما عجزت السلطات الثلاث أو فقدت الرغبة أو أبت العمل إذ ذاك ستتم مواجهة المشاكل بالقوى الشعبية نفسها، على أمل أن لا يحصل بأن يشعر القائد بالحاجة للنزول بالقوى الشعبية إلى الساحة، فأفضل عمل لعلاج المشاكل أو إنجاز مهمة كبرى هو الاستعانة بهذه القنوات القانونية.

إنني أعتقد أن المسؤولين الحاليين في النظام لهم القدرة على معالجة مشاكل البلاد. وأن هنالك معضلات تعانيها البلاد اليوم أغلبها في الحقل الاقتصادي. وهنالك ــ بالطبع ــ مشاكل في الحقول غير الاقتصادية فثمة مشاكل في الحقول العلمية والثقافية والأخلاقية تتحمل الحكومة مسؤولية علاجها، وان مسؤولينا في الحكومة والسلطات الثلاث قادرون على إزالة هذه النواقص والمشاكل من خلال تركيبة الدستور، وكما تقدمت الإشارة فإن المعيار والمحكَّ لإصدار الحكم هو الدستور.

لقد أبلى شعبنا بلاءً حسناً فأبناء شعبنا في غاية الصلاح، وحيثما شعروا بالتكليف فإن تواجدهم وتضحياتهم وإقدامهم ودعمهم مما يعدُّ مضموناً، بل انهم يمتنعون عن التصريح بمطالباتهم أحيانا في الظروف التي لا يرون ثمة مصلحة فيها ويشعرون بوجود مصاعب وشدائد، وهذا ما لمسناه خلال فترة الحرب وشعرنا به وشاهدناه خلال فترة السلم أيضا.

نسأل الله تعالى وببركة الساعات العطرة والنوارنية في شهر رمضان وهذه الأيام والليالي المباركة ــ حيث جعل الله تعالى هذا الشهر بلياليه وأيامه موعداً لنزول رحمته على عباده المؤمنين المخلصين ــ أن يشمل بفضله المسؤولين في نظام الجمهورية الإسلامية لأداء واجباتهم ويتلمَّسوا الطريق الذي يبلغ بهم إلى رضى الله ويسلكوه.

اللهم إنّا نقسم عليك بخاصة لطفك وفضلك الذي مننت به على نبيك الكريم وأهل بيته الطاهرين وبحق أوليائك أن تجعلنا من عبادك المطيعين.

اللهم اجعلنا ممن يقدّر النعمة الكبرى للنظام الإسلامي واكتبنا ممن يخدم الإسلام والمسلمين حتى آخر لحظة من حياتنا.

اللهم أخرجنا من هذه الدنيا ونحن قائمون على خدمة الإسلام والمسلمين واجعلنا ممن ترضى عنهم في حياتنا ومماتنا.

اللهم منّ علينا بتوفيق التقوى والورع والبصيرة بعيوبنا وغضِّ الطِّرْف عن معايب أخوتنا في الدين.

اللهم تفضل علينا بتوفيق السير على الدرب الذي اختطه إمامنا العظيم وسلكه شهداؤنا الأعزاء وضحوا بأنفسهم على هذا الطريق.

اللهم اخذل أعداء الإسلام وأعداء النظام الإسلامي ومنّ على شعب إيران وبلادها بالقوة والرفعة في مواجهة تخرصات الأعداء.

اللهم بارك لنا في علمنا وقوتنا وثروتنا الوطنية ومساعينا وجهادنا في طريق التطور. اللهم إرض عنا القلب المقدس لولي العصر ــ أرواحنا فداه ــ واجعلنا من انصاره في حضوره وغيبته.

اللهم بحق محمد وآل محمد اجعل ما قلناه وما سمعناه وما نضمره في قلوبنا لك وفي سبيلك.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته