|
الموضوع: العولمة وسبل مقاومتها
المناسبة: ذكرى تأسيس مجلس الشورى
الإسلامي
الزمان والمكان: 15 ربيع الأول
1423هـ الموافق 27-5-2002 م ـ طهران
الحضور: رئيس وأعضاء مجلس الشورى
الإسلامي
أجواء الكلمة
لا شك أن "العولمة" مفهوم صاغته قوى الهيمنة
والاستكبار لفرض نمط معين من الحياة على المجتمعات الإنسانية وإلزام الحكومات
بالتقيد به وتطبيقه، والخطر الأكبر الذي ينطوي عليه هذا المفهوم هو محو الهويات
الثقافية للشعوب وطمس الخصوصيات الحضارية للأمم.
وأمام هذه الظاهرة التي بدأت تفرض نفسها على
الحياة المعاصرة على كافة المستويات سياسياً واقتصادياً وثقافياً و... رأى
البعض أن لا مفر سوى الاستسلام أمامها، ومنهم من انغمس واندمج فيها عملياً.
لكنه هل هذا هو القدر المحتوم للدول؟
سماحة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي (دام
ظله) في معرض تطرقه لهذه الظاهرة خلال لقائه رئيس وأعضاء مجلس الشورى الإسلامي،
فنّد أن يكون هذا هو القدر المحتوم وشرح أسبابه، ودعا مسؤولي النظام الإسلامي
إلى المقاومة بوجه هذه الظاهرة بترصين البناءات السياسية والاقتصادية والثقافية
في البلاد عبر بلورة الوفاق ووحدة الكلمة .
العناوين الرئيسة في كلمة
سماحته:
ــ الخدمة والإخلاص في النية
ــ القانون درب لبلوغ الأهداف
ــ العولمة
ــ سبل مقاومة العولمة
ــ النظام الإسلامي ظاهرة راقية
في عالمنا المعاصر
بسم الله الرحمن الرحيم
أبارك لكم أيّها الأعزاء وممثلي الشعب الكرام هذه
الأيام السعيدة وذكرى مولد النبي الأكرم والإمام الصادق "عليهما الصلاة
والسلام" وأرحب بحضوركم في هذا الجمع الذي يكلّله الصدق والنقاء، سائلاً الله
تعالى أن يمنّ علينا وعليكم بسلوك صراط الله في كل حركاتنا وسكناتنا والعمل
بالتكليف طلباً لرضاه تعالى.
وأتقدم بالشكر لسماحة الشيخ الكروبي على كلمته
البنّاءة النافعة؛ فمن الضروري إطلاع الجماهير على هذه الأرقام وخلق حالة من
الثقة في قلوبهم بأن نوابهم يجهدون لحل مشاكلهم بكل حرص؛ فاعتبروا الحديث عن
هذه الأمور ضرورياً ولا تحجبوا هذه التقارير عن الجماهير؛ فهي مؤثرة جداً
ومفيدة لإنعاش الأجواء في المجتمع وطمأنة قلوب الجماهير.
كما أرى لزاماً عليَّ تقديم الشكر للأعزّة في
المجلس على جهودهم ولاسيما الجهود المضنية التي يبذلها سماحة الشيخ الكروبي
رئيس المجلس، فنحن شهود على الأعباء الثقيلة والمضنية التي ينهض بها هو وسائر
الأعزة في المجلس.
الخدمة والإخلاص في النية
إن الخدمة في غاية الصعوبة، وهي في غاية الحلاوة
أيضاً، وكلما ازدادت الخدمة صعوبة ازداد الاطمئنان المعنوي والروحي للإنسان بعد
الفراغ من أدائها. نسأل الله تعالى أن يتفضل عليكم بالأجر والثواب وينير
أفئدتكم وأبصاركم بلطفه بالقدر الذي تبذلون به جهودكم ومساعيكم وتتحملون
الأعباء والضغوط التي يواجهها المسؤولون عادة حيثما كانوا.
ها هي سنة أخرى قد مضت، وكما هو شأن جميع الأشياء
فإن أعمارنا وأعمار الأعمال قصيرة وإن هذه الفرص تمرّ مرَّ السّحاب، والمهم
بالنسبة لنا في أية مسؤولية كنّا هو أن نسعى لأن يكون في مضي العمر وأيام
المسؤولية ذخيرة لنا، وإلاّ فإذا ما اجتاز الإنسان هذا الحد فلن يبقى معه شيء
من هذه الاعتبارات والشؤون، فالعمر لا أهمية له، وليس ثمة اطمئنان لبقائنا حتى
الغد أو لغاية نهاية الدورة أو حتى دورة أخرى ونحظى بمثل هذه الفرصة؛ فعند
تشكيل هذه الدورة من المجلس حيث التقيناكم ــ أيها الأخوة والأخوات الأعزاء في
هذه الحسينية ــ كان فيما بيننا جمع من الذين لا وجود لهم الآن، إنهم الآن في
محضر الله تعالى هم وأعمالهم ونيّاتهم، سائلين المولى عز وجل أن يعاملهم بمنتهى
رحمته ومغفرته وفضله ويرفع درجاتهم.
على أية حال فإننا نمتلك فرصة الاستغفار والعمل،
وأولئك الذين مضوا يفتقدونها، {وفي الآخر عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان}؛
فلابد من وضع هدف لكلٍّ من هاتين الحالتين وليس ثمة ما يخرج عنهما؛ فإمّا مغفرة
الله ورضوانه، وإما غضب الله وسخطه ــ لا سمح الله ــ، وليس هناك مَنْ يمهّد
لذلك سوانا، فإذا ما شملنا الفضل الإلهي أو أدركتنا رحمة الله وغفرانه فذلك
بإرادتنا؛ فعلينا نحن طلب تلك الرحمة؛ "لا يرد غضبك إلاّ حلمك، ولا يُنجي من
عذابك إلاّ مغفرتك، ولا يُنجي منك إلاّ التضرع إليك"، فلابد من التوسل إلى الله
تعالى والتضرع إليه.
أيّها الإخوة والأخوات الأعزاء، إننا حيث نعمل
للخدمة في ظل الجمهورية الإسلامية، علينا جميعاً أن نشترك بأمر واحد ونوليه
العناية بعيداً عن الأفكار والأذواق والاتجاهات والدوافع والاختلافات التي لا
مناص من وجودها، وهو المحافظة على ارتباطنا بالله، واستذكار النعمة الإلهية
ولطف الباري تعالى وفضله للفرصة التي منحنا إيّاها؛ فلا علاقة لهذا الأمر
بالاختلاف في الأذواق والرؤى السياسية وتعدد التوجهات السياسية والفئوية
والحزبية وغيرها، بل إنه على صلة بالجميع، وبازدياد حجم مسؤولية المرء تزداد
حاجته إليه؛ وإنني العبد الضعيف العاجز أفوقكم حاجة إليه وذلك لثقل مسؤوليتي.
لابد من إيناس القلوب بذكر الله ــ وأنا بالذات
المخاطب الأول بهذه الموعظة ــ والمهم في هذا السبيل النية والسعي للخدمة،
وينبغي المحافظة على هذه النيّة فهي نيّة مقدسة، والإنسان بنفسه بإمكانه أن
يعرف جيداً أين وفي أي موقف وأي كلام وفي أي تسليم أو رد ــ في المجلس مثلاً ــ
تكمن النية لله والعمل في سبيله أو من أجل دافع آخر. ولربما يجهل الآخرون
نوايانا، فبالإمكان تصوير الحقائق والسرائر بصيغة أخرى لهم، بيد أن الإنسان لا
يسعه فعل ذلك أمام ذاته، فلو نظر الإنسان بعين الدقة والتأمّل سيجد أن كل شيء
مكشوف وواضح أمامه، فالمهم أن نحافظ على نيّة الخدمة والمسير في طريق أداء
الواجب، إذ ذاك سيكون لكل الأعمال أجرها وثوابها، وربما يتضادّ موقفان حول
مسألة، لكنهما يحظيان بلطف الله وغفرانه، بشرط توفير النيّة الصالحة والعمل وفق
ما يشعر به المرء من مسؤولية؛ وهذه الفرصة سانحة كثيراً أمامكم لأهمية دوركم.
القانون درب لبلوغ الأهداف
وكما أشار سماحة الشيخ الكروبي فإن كلاً من
مسألتي التقنين والرقابة مهمة، ومسألة التقنين ــ بطبيعة الحال ــ أكثر أهمية؛
فالقانون دربٌ تشقّونه نحو الأهداف بحيث يجب أن يوصل البلاد ومسؤوليها
التنفيذيين وغيرهم من المسؤولين إليها. والقانون قد شخّص لنا أهدافاً في كافة
القطاعات، سواء على صعيد حقوق الشعب أو المؤسسات الحكومية وغيرها من الحقول؛
فكل مادّة من مواد القانون هي في الحقيقة هدف لابد من الوصول إليه. ولغرض
التحرك بهذا الاتجاه يتعين وجود طريق، إذ يتعذر التحرك بلا طريق، ولابد للجهاز
التنفيذي في البلاد من التحرك نحو هذه الأهداف.
يتعين على الجهاز التنفيذي ــ سواء السلطة
التنفيذية أو السلطة القضائية أو القوات المسلحة وكافة الأجهزة التي تمثل
مؤسسات الدولة وتتصدى لجانبٍ من إدارة البلاد ــ التحرك نحو هذه الأهداف؛ وأنتم
بسنّكم للقانون تحددون الخطوط الصحيحة وتحولون دون وقوع الأجهزة المتقدمة نحو
الأمام في المزالق الخطرة؛ وهكذا تتضح عظمة القانون وأهميته. وتأسيساً على هذا
فإن التقنين غاية في الأهمية، وكلّما اقترن القانون برؤية أكثر وعياً وخبرة
ومعرفة بقضايا الوطن ومصالحه ازداد رصانةً؛ وبذلك يزداد فاعلية وأمكن الاستفادة
منه لمدة أطول. وعليه فإن دور القانون مهم جداً.
إنني أعتقد بأن قضايا البلاد الأساسية حالياً
أبعد مدى من القضايا الداخلية بين مختلف الفئات والتنظيمات؛ فالسجالات الحزبية
والفئوية والذوقية والتنظيمية قائمة ولا يمكن إلغاؤها بالكامل، أو القول بضررها
جميعاً؛ فبعضها يعين على تنمية حالة البحث والوعي والعمق الفكري والعقلي لدى
المجتمع إن جاءت وفق أسلوب سليم، ولا إشكال فيها، لكنها لا تمثل قضايا البلاد
ككل، فالقضايا الرئيسة للبلاد أبعد مدى من الأمور التي تنحصر في إطار التوجهات
والميول والأهواء والتشخيصات الفئوية والحزبية؛ ومن الواضح للعيان أن كلَّ مخلص
وواعٍ بإمكانه رؤية القضايا الأساسية للبلاد.
العولمة
لا شك في وجود حافز قوي لدى الطرف الأقوى في
العالم اليوم للاستحواذ والهيمنة على كل ما في العالم وعلى وجه البسيطة من
إمكانيات، ووجود القوى الكبرى كان بهذا المعنى على الدوام؛ ومن الطبيعي أن يدفع
احتكار القوة عند مقتدر واحد نحو استفحال هذا التوجه وتناميه.
هنالك شبكة من الأجهزة والمراكز والمحافل
الاقتصادية الناشطة لترتيب اقتصاد الدول والاقتصاد العالمي سعياً وراء تكديس
الثروات والاستحواذ عليها، ومن الطبيعي أن عملهم يستوجب ذلك، وتبعاً له تتبلور
حالة الهيمنة القائمة والتي بدأوا يعلنونها اليوم وهي ليست مما يقبل الكتمان؛
إذ إنّ نيّة القوى السلطوية في العالم لتأمين مصالحها في أية بقعة من العالم
ليست مما يسع أحداً التكتم عليها وإخفاؤها، وإن المصالح التي من المزمع تأمينها
وهي لقوّة معينة ــ ولا أقصد هنا أمريكا لوحدها وإن كانت أبرزها وأكثرها طمعاً،
بل هنالك مجموعة قوى تقف أمريكا في مقدمتها ــ ليست بتلك المصالح التي لا
تتناقض مع مصالح الدول والشعوب من أصحاب الأرض، فهم لم يتطرقوا لذكر مثل هذا
القيد، وإنما يقولون: مصالحنا! فماذا لو تناقضت هذه المصالح مع مصالح الشعب
الفلاني أو البلد الفلاني أو المنطقة الفلانية؟! إنهم لم يصرّحوا بأنه لو حصل
تناقض فسيغضون الطرف عن مصالحهم. كلا، فالمصالح هي هي، وهم يطلبونها!
لقد أضحى من مستلزمات الروح الاستكبارية ــ وحقاً
يأتي هنا محل كلمة الاستكبار ــ في عالمنا المعاصر القيامُ بحركة عاجلة للهيمنة
على العديد من الأصعدة ــ وهي بالأساس ثلاثة: الاقتصاد والسياسة والثقافة ــ
وتبدأ الحركة من القمة كالسيل الجارف الذي ينزل نحو الوادي، وقد انحدر هذا
السيل وهو ليس ابن هذه السنة أو التي قبلها، غاية الأمر أنه يزداد شدّة بحسب
الظروف العالمية.
يرى البعض أن لا مفرّ من الاستسلام أمام هذا
السيل! وهذا ما يشاهده المرء الآن؛ ففي البلدان النامية أو بتعبير آخر دول
العالم الثالث ــ وهي الدول التي لا موقع لها في القمة؛ بل تقبع في منحدر
الوادي ــ مَنْ يقولون بصراحة أن لا مفر، فلابد من الانغماس والذوبان
والاندماج! فيما لا يصرح آخرون بذلك لكن سلوكهم العملي على هذا المنوال؛ فهل
الواقع هكذا حقاً؟! أي لا يمكن إبداء أية مقاومة إزاء السيل المنطلق في نقطة
معينة للاستحواذ على مصادر الاقتصاد العالمي ونشاطه! وهل حقاً لا ينبغي مقاومة
السيل المنحدر الذي يستهدف استبدال الهوية السياسية للدول إلى هوية جمعية تقف
على رأسها مراكز القوة في العالم؟! هل لابدّ من الذوبان في بوتقة الأطماع
وثقافة عدم الاقتناع السلطوية؟! وهل هذا هو قدر البشرية حقاً؟! هكذا يتصور
البعض!
إننا نرى أن هذا ليس القدر المحتوم للدول، وفي
ذلك أسباب عديدة منها: أن إمكانيات وقابليات المستكبرين والجبابرة وسلطويي
العالم محدودة، وليس الأمر كما نتصور أن ما يشاؤه جبابرة العالم لا محالة
متحققٌ، كلاّ فبالامكان افتراض إخفاقهم؛ فكما أخفقوا في مواطن عديدة سيخفقون
أيضاً.
سبل مقاومة العولمة
إننا في الجمهورية الإسلامية باعتبارنا المتصدين
والملتزمين بتكليف ومسؤولية، ما هو واجبنا يا ترى؟ وقولنا اننا ملتزمون ومكلفون
إنّما يأتي بسبب قيام الجمهورية الإسلامية على أساس فكر ومبدأ وهدف عظيم وسامٍ
ومقدس، ولا أعتقد بمخالفة المؤمنين بنظام الجمهورية الإسلامية ورسالة الثورة
لهذا المفهوم؛ فنحن نعتقد بأننا نؤدي واجباً وتكليفاً إلهياً ومسؤولية ربانية،
ولهذا فإنني أعتقد أن المسؤولين ــ سواء أنتم الذين في المجلس أو أولئك
العاملين في الأجهزة التنفيذية للبلاد ــ إذا ما أنجزوا المهام الموكلة إليهم
فإن ثواب ذلك عند الله يفوق الكثير من العبادات، لأن هذا الصرح إنّما شُيِّد
لإعلاء كلمة الحق وإحياء كلمة التوحيد؛ فنحن إذ نتحمل مثل هذه المسؤولية داخل
هذه المنظومة علينا مقاومة هذا السيل العالمي؛ والعولمة ــ بطبيعة الحال ــ
تمثل أحد الأبعاد المهمة والبارزة في هذا السيل، وإن الاقتصاد هو المطروح
حالياً، لكن هنالك ــ حتماً ــ ما قيل وما لم يقل وما كُتب وما لم يكتب حول
العولمة على الصعيدين السياسي والثقافي؛ فهل يمكن مقاومة هذا السيل؟ إننا نعتقد
بإمكانية المقاومة، وهذا هو واجبنا.
المقاومة إنما تأتي من خلال ترصين البناء لا غير؛
فأيّما سيل عارم إذا ما اصطدم بصخرة صمّاء فلن يستطيع التأثير بها؛ فعلينا
بترصين أنفسنا وتماسكها وكذلك ترصين بناءاتنا الثقافية والاقتصادية والسياسية؛
وكل عمل يصب باتجاه التماسك فهو مقدّس وصالح ويستحق الأجر والثواب الإلهي، وكل
ما من شأنه زعزعة هذه الأسس والمباني فهو طالح، وهذا ممّا لا علاقة له بجناح أو
حزب أو فئة أو تنظيمات، وهذا هو المعيار والملاك في نظري.
إن أول احتياج حتمي لنا ــ من أجل ترصين بناءاتنا
السياسية والاقتصادية والثقافية ــ هو بلورة الوفاق ووحدة الكلمة، ولابد أن
يبذل الجميع جهودهم من أجل الوفاق؛ ولا يعني الوفاق أن تعلن مختلف الفئات
والتنظيمات والتيارات عن حلِّها، كلا فلا داعي لذلك، بل معنى الوفاق أن يحسنوا
الظن بعضهم ببعض، وأن يكونوا {رحماء بينهم}، وأن يتحمل بعضهم بعضاً، وأن
يتآزروا فيما بينهم لرسم الأهداف العليا وبلوغها، ويحترزوا عن إثارة التوتر
وسوء الخلق والتصادم والإهانة والاتّهام؛ وحسب وجهة نظري فإن هذا هو واجبنا
اليوم.
ينبغي أن لا يُضعَّف مجلس الشورى الإسلامي، وإنني
أخالف الذين يضعفون مجلس الشورى الإسلامي متشبّثين لذلك بكل وسيلة أو ذريعة أو
مستمسك، فالمجلس من المؤسسات الرئيسية في البلاد، وينبغي أن لا يضعَّف المجلس
أو أي من الأجهزة لمجرد عدم قبول امرئ بواحدة من المسائل؛ وكلٌّ من السلطات
التشريعية والقضائية والتنفيذية ينبغي أن لا تُضعَّف باعتبارها سلطة ومؤسسة
وجهازاً وأحد الأركان وليس لأحد إضعافها؛ وعلى الأجهزة العمل على تقوية بعضها
بعضاً.
إنني متفائل جداً إزاء مستقبل البلاد، وهذا
الكلام ــ بطبيعة الحال ــ لا يعني أنني لا أرى وجوداً للمشاكل ومواطن الضعف
والنواقص ونقاط العجز أو لا علم لي بها؛ فإنني وخلال لقاءاتي بالمسؤولين
أذكّرهم بالكثير من المشاكل التي تعاني منها قطاعاتهم، وأحياناً لا تقلّ
معلوماتي عن معلوماتهم، بل لعلها تفوقها.. إنني على علم بنقاط الضعف، غاية
الأمر أنها ليست أساسية.
إن البناء السياسي للبلاد في غاية التماسك بقيامه
على أساس دستور سليم جداً وراقٍ وجامع وشامل، والإشكال إنما في التطبيقات
وحالات التقصير التي لابد من إزالتها. وإن مسؤوليتنا الحقيقية الآن هي ترصين
دعائم القطاعات الثلاثة، أي السياسية والاقتصادية والثقافية، وإذا ما أُريد
لمقومات الثقافة أن تستحكم فالشرط الأساسي لذلك هو توطيد إيمان الشعب بدينه
وتراثه الثقافي وعدم إضعافه.. إننا لا نريد العيش وسط جزيرة ونتصور إمكانية
الحياة داخل جزيرة في هذا العام المعاصر، بل نريد للشعب أن يزهو بتراثه وثروته
الثقافية ولا يراوده الشعور بالحقارة.
يحاول البعض افتعال حالة من التشكّي والفقر بشأن
الرصيد الثقافي للشعب ــ والذي هو عظيم جداً ــ وهذا خطأ؛ فثروتنا الثقافية
عظيمة جداً، وجانبها الأكبر يتمثل في الإيمان بالله والإسلام والاعتماد على
الباري تعالى والمفاهيم الإسلامية النافذة الراسخة لدى شعبنا، فيما يرتبط جانب
منها بقضايانا الثقافية أيضاً؛ فلابد من عرفان قدرها والمحافظة عليها، ويجب أن
تصب القوانين في هذا الاتجاه.
من الأهمية بمكان أيضاً الاستقلال الاقتصادي
المقرون بكفاءة القطاعات الاقتصادية، وقد وردت الإشارة في التقرير إلى سنّ
الكثير من القوانين على الأصعدة الاقتصادية والحمد لله، ولستُ هنا أستحضر
تفاصيل هذه القوانين المسنونة، ولكن نفس العناية بهذه القضية هي أمر مهم؛ ولابد
من اعتبارها في عداد قضايانا الأساسية.
إن الشعب يعاني مشاكل اقتصادية جمّة، إحداها هي
الفجوة الاقتصادية والتمايز بالوضع الاقتصادي وحالات الغنى الفاحش في قبال
حالات الحرمان القاسي والثقيل، وهذا ما يرهق الشعب، والتمايز يفوق الفقر
إيلاماً بالنسبة للشعب؛ فعليكم ملاحظة ذلك في القوانين، إذ من خلال القانون
بإمكانكم الحد من هذه الحالات إلى حد بعيد؛ والقانون ليس كافياً بل لابد من
وجود إدارة تنفيذية صالحة كي يُبرهن القانون على كفاءته، ومع ذلك فإن للقانون
دوراً كبيراً أيضاً.
النظام الإسلامي ظاهرة راقية
في عالمنا المعاصر
وهكذا الحال على الصعيد السياسي، فيجب الحفاظ على
الركيزة السياسية للبلاد ــ أي النظام الإسلامي ــ وعرفان قدر هذا النظام الذي
يمثل بحق ظاهرة راقية في عالمنا المعاصر؛ ولا يقلل من شأن وعظمة هذه الظاهرة ما
دأبت عليه الإذاعات الأجنبية وأرباب السياسة ومراكزها في العالم من التحقير
والتوهين لها؛ فلقد فعلت هذه الظاهرة العملاقة فعلها على الصعيد العالمي،
وبالرغم من عدم رغبة أعدائنا في الإقرار بشأن الجمهورية الإسلامية وتأثيراتها
لكنهم في الوقت نفسه يذعنون لها شاؤوا أم أبوا.
إن زهو العالم الإسلامي اليوم بإسلاميته، والحال
الذي وصلته شرائح الشباب والجامعيين والطليعة الفكرية في العالم الإسلامي،
والوضع الجديد الذي تمر به القضية الفلسطينية بما هي عليه من عنفوان وعظمة،
أفرزهما توجه الأمة نحو الإسلام، بل التطور الجوهري الذي شهدته قضايا الشرق
الأوسط، ما هو إلاّ نتيجة لهذا التأثير العميق المستمر والمتواصل؛ وهذا هو
السبب وراء معاداتهم للجمهورية الإسلامية.. إنهم يحاولون تجفيف هذا المنهل؛ فهم
على علم بأن قيام الجمهورية الإسلامية هو المنهل لهذه الصحوة التي عمّت الأمة
الإسلامية، وأن إقامة الجمهورية الإسلامية بحد ذاتها كانت أمراً مهماً بالنسبة
لهم، فلابد من ترصين هذه الركيزة والمحافظة عليها.
لقد منَّ الله سبحانه علينا بنعم وافرة يجب علينا
شكرها، وشكر هذه النعم في أن نعمل ــ أنا وأنتم والحكومة وسائر المسؤولين
التنفيذيين والقضائيين ــ حيثما كنّا بواجباتنا، وأداء ما نشعر به واجباً علينا
بيننا وبين الله، {ولينصرن الله من ينصره}، ولا شك في أن النصر الإلهي يقف خلف
هذه الحركة وهذا الحافز، كما هو الحال الآن، وسيكون كذلك في المستقبل.
نسأله تعالى التوفيق لكم جميعاً، وأن يمنّ علينا
وعليكم بتأييده ويشملنا برحمته، ويجعلنا ممن يشملهم دعاء ورضى ولي العصر
"أرواحنا فداه".
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته
|