|
ا لموضوع:
الفهم الصحيح لانتظار الفرج دافع نحو التغيير
المناسبة: ميلاد الإمام الحجة
(عج)
الحضور: أبناء الشعب الإيراني في
مصلى طهران
الزمان والمكان: 15 شعبان 1423هـ
22-10-2002 م
أجواء الكلمة
في لقاءه أبناء الشعب في مصلى طهران بمناسبة
ميلاد الإمام الحجة (عج) أشار سماحة ولي أمر المسلمين آية الله العظمى السيد
علي الخامنئي (دام ظله) إلى الإعتقاد الحقيقي باستعداد الإمام وتأهبه لإستلام
الأمر الإلهي والإنطلاق بالمهمة الكبرى الذي تحدث التغيير في البشرية والتاريخ،
وقطع دابر الجور وتحطيم بناء الظلم الذي كان وما زال قائماً على مدى التاريخ،
وإيقاف الظالمين عند حدوهم.
كما أشار سماحته إلى:
ـ عمومية وشمولية التغيير في الخارطة السياسية
للعالم.
ـ إمكانية بل وحتمية التغيير على العكس مما
يتصوره البعض من المعاصرين من إستحالة فعل شيء في مواجهة الظلم.
ـ دور أجهزة الإعلام التابعة للاستكبار العالمي
وترويجها إلى استحالة أي تحرك لمواجهة النظام الظالم القائم حالياً.
ـ الاستعداد والتهيؤ وإيجاد مقومات التغيير لنشر
العدالة.
بسم الله الرحمن الرحيم
أرحب بالأخوة والأخوات الأعزاء جميعا, لا سيما
الأعزة الذين حضروا من المدن البعيدة, وأبارك لكم أيها الحضور الكرام هذا العيد
السعيد, والمولد العظيم, متمنياً أن تحظى آنات أعماركم وأعمالكم ونشاطاتكم بلطف
هذا الإمام العظيم ونظرته وعنايته المفعمة بالمحبة.
إن عيد ميلاد الإمام الحجة (عجل الله تعالى فرجه
وأرواحنا فداه) يمثل عيداً عظيماً للشيعة, بل لناشري العدالة في العالم, لذا
فإن شعبنا يعبّر عن هذا العيد بكل وجوده ومن أعماق قلبه وروحه عن محبته وتعلّقه
بالإمام بقية الله (أرواحنا فداه).
المهم بالنسبة لنا محبي الإمام المهدي (سلام الله
عليه) والمعتقدين بإمامته وولايته هو أن نستلهم الدروس من هذه الذكرى التأريخية
أو هذا المعتقد الشيعي بالإضافة إلى التعبير عن المحبة والسرور. وبطبيعة الحال
فإن الاعتقاد بظهور المهدي لم يقتصر في مقطع تأريخي على الشيعة, فالمسلمون
جميعاً شيعة وسنة يعتقدون بهذا الأمر أيضاً, بل إن غير المسلمين يؤمنون به بنحو
من الأنحاء, غاية الأمر أن ما يمتاز به الشيعة هو معرفتهم لهذا الرجل المنقذ
بالاسم والملامح والخصوصيات واعتقادهم باستعداده وتأهبه الدائم لاستلام الأمر
الإلهي, فهو متوثب للانطلاق بتلك المهمة الكبرى التي يراد لها أن تُحدث التغيير
في البشرية والتاريخ متى ما أمره بارئ الكون, فالمهم ما ينبغي أن نستلهمه كعبرة
ودرس نظري وعملي من هذه القضية.
تعلمون أيها الأخوة والأخوات أن أبرز شعارات
المهدوية عبارة عن العدالة, فعندما نبدأ في دعاء الندبة ـ مثلاً ـ ببيان وسرد
صفاته (عج) بعد نسبته إلى آبائه العظام وآله الطاهرين فإن أول جملة نذكرها هي
(أين المعدّ لقطع دابر الظلمة, أين المنتظر لإقامة الأمت و العوج, أين المرتجى
لإزالة الجور والعدوان). أي إن أفئدة البشرية تظل تخفق إلى أن يأتي ذلك المنقذ
ليقطع دابر الجور ويحطّم بناء الظلم الذي كان قائماً على مرّ التاريخ البشري
منذ سالف الأزمنة وما زال قائماً حتى يومنا هذا بكل قسوة, ويوقف الظالمين عند
حدودهم, وهذا أول ما ينشده المنتظرون للمهدى الموعود من ظهوره. أو حينما تذكرون
مناقبه (عج) في زيارة آل ياسين فإن أبرزها هي (الذي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً
كما ملئت ظلماً وجوراً) فالانتظار يتمثل في أنه (عج) يملأ الدنيا ـ وليس بقعة
معينة ـ عدلاً ويبسط القسط في كافة الأرجاء, وهذا هو المفهوم الذي تحمله
الروايات المتواترة بشأنه (عج).
وبناء على هذا فان انتظار المنتظرين للمهدي
الموعود إنما هو انتظار لاستتباب العدل, ففقدان العدالة أكبر همّ تعانيه
البشرية اليوم إذ مارست أنظمة الظلم والجور في أرجاء العالم الإجحاف بشتّى صوره
بحق الإنسانية, وأرهقت البشرية بضغوطها وسلبتها حقوقها الطبيعية, بيد أن الأمر
تفاقم اليوم أكثر مما مضى من التاريخ, والإنسان إنما ينشد إزالة هذا الواقع
وينتظره من ظهور المهدي الموعود. فالقضية هي طلب للعدالة, وأن أول درس نستقيه
من هذا الموضوع هو تدمير صرح الظلم على المستوى العالمي, وهو ليس ممكن فحسب بل
حتمي, وأنه لأمر في غاية الأهمية أن لا تتصور الأجيال البشرية المعاصرة استحالة
فعل شيء في مواجهة الظلم العالمي, إذ إننا حينما نتحدث الآن مع الشخصيات
السياسية في العالم حول الظلم الذي تمارسه مراكز القدرة في العالم والنظام
الدولي الجائر ـ الذي يسود العالم بأسره ويتزعمه الاستكبار ـ نراهم يقولون:
نعم, صحيح ما تقولون, وإن هؤلاء يمارسون الظلم حقاً, ولكن من المتعذر فعل شيء.
أي أن طائفة كبيرة من الشخصيات السياسية التي تمسك أيضا بزمام الأمور على
المستوى العالمي قد استحوذ عليها اليأس والقنوط وبدورهم يفرضون على شعوبهم هذا
اليأس والقنوط ويبددون آمالهم في القدرة على تغيير الخارطة الشيطانية الظالمة
لعالم اليوم. ومن الطبيعي أن اليائسين يعجزون عن القيام بأية حركة في طريق
الإصلاح, فما يدفع البشر نحو العمل والحركة هو النور وقوة الأمل.
إن الإيمان بالمهدي الموعود يملأ القلوب بنور
الأمل, ولا معنى لهذا اليأس الذي يستحوذ على الكثير من النخب في هذا العالم.
بالنسبة لنا نحن المؤمنين بالظهور الحتمي للمهدي الموعود (عج) في المستقبل,
فنحن نقولها : كلاّ, بالإمكان تغيير الخارطة السياسية للعالم, و بالإمكان
مقارعة الظلم ومراكز القوة, وهذا المعنى ليس ممكنا فقط في المستقبل بل هو حتمي,
وإذا ما آمن شعب بإمكانية تغيير الخارطة الشيطانية الظالمة القائمة اليوم في
العالم تملّكته الشجاعة والشعور بأن يد القضاء لم تكتب بشكل محتوم هيمنة
الظالمين إلى الأبد, ولدى بني الإنسان القدرة على السعي لرفع راية العدل ولو في
ربوع بقعة محدودة. انظروا ما الذي سيحدث في العالم وكيف سيعم الوعي الشعوب فيما
لو غرست شعوب العالم ـ الرازحة الآن تحت نير الظلم والجور ـ في قلوبها الأمل
بإمكانية مقارعة الظلم, فلقد ابتلي الشعب الإيراني بهذا اليأس يوم كان رازحاً
تحت هيمنة نظام طاغوتي, بيد أن إمامنا العظيم وببركة التعاليم الإسلامية بدّد
هذا اليأس عن القلوب ومنح الجماهير الأمل والشجاعة, فكانت النتيجة أن هبّ الشعب
ونهض مقتحماً الشدائد وخاض الكفاح باذلاً المهج واستطاع مقارعة عناصر الظلم
ونظام الجور والشيطنة في هذه البقعة من العالم ومن ثم إسقاطه واقتلاعه.
إن أجهزة الإعلام التابعة للدوائر الاستكبارية
العالمية والمثقفين الدائرين في فلكها يروّجون اليوم إلى استحالة أي تحرك
لمواجهة النظام الظالم القائم حالياً, وأنهم يحاربون الفكر الثوري والمبدئي,
محاولين دفع الشعب للتأقلم مع الوضع المعاصر في العالم الذي يسوده الظلم, وعدم
إبداء أي ردّ فعل تجاهه, فيما تمثل فكرة الاعتقاد بالمهدي (عج) النقطة المعاكسة
لهذه الدعايات الخاطئة الظالمة, وإن شبابنا ومثقفينا وعامة أبناء شعبنا ومن
خلال اعتقادهم بظهور المهدي (عج) إنما يعدّون في نفوسهم الاعتقاد الراسخ
بإمكانية زوال النظام الدولي الظالم وعدم أبديته وإمكانية مقارعته والوقوف
بوجهه.
الدرس الآخر الذي ينبغي أن يعلّمنا إيّاه
الاعتقاد بالمهدوية وأعياد النصف من شعبان هو أن العدالة التي ننتظرها ـ عدالة
الإمام المهدي (عج) التي تشمل العالم بأسره ـ لا تتأتى عبر الموعظة والنصيحة,
أي أن المهدي (عج) موعود الأمم لا يأتي ليقدم النصح للظلمة في العالم ليكفوا عن
ظلمهم وأطماعهم وسلطويتهم واستغلالهم فالعدالة لا تتحقق في أية بقعة من العالم
عن طريق لغة النصح, وإنما إقرار العدل على ربوع المعمورة ـ بالنحو الذي سيرسيه
وارث الأنبياء ـ أو في أيّ من بقاع العالم, يحتاج إلى أن يمسك العادلون
والصالحون ودعاة العدل من الناس بالقوة ويخاطبون الجبابرة بلغة القوة, فلا يصح
الحديث بلغة النصح مع الذين أسكرتهم قوتهم الغاشمة, بل يجب مخاطبتهم بلغة
القوة, فلقد ابتدأ الأنبياء دعوتهم بلغة النصح, غير أنهم لما استطاعوا استجماع
وتجهيز أنصارهم, أخذوا يخاطبون أعداء التوحيد وأعداء البشرية بلغة القوة.
لاحظوا في هذه الآية القرآنية التي تتحدث عن
القسط وتقول أن الله سبحانه وتعالى بعث النبيين {ليقوم الناس بالقسط}, فإنها
تقول مباشرة {وأنزلنا الحديد فيه باس شديد ومنافع للناس}, أي أن الأنبياء
بالإضافة إلى دعوتهم باللسان فانهم يواجهون الأقوياء والعتاة المدجّجين بالسلاح
والمتغطرسين والسلطويين الفاسدين ويقارعونهم, فالنبي الأكرم (ص) عندما حلّ في
المدينة وأقام النظام الإسلامي كان يتلو على الناس آيات القران ويوصلها إلى
مسامع الأعداء أيضا, لكنه لم يكتف بذلك, فلابد لأنصار العدالة من التزود بالقوة
في مواجهة المتعسفين والطامعين والمعتدين على حقوق الإنسان, لذا فإنكم تشاهدون
أعداء الإسلام ومنذ اليوم الأول لقيام النظام الإسلامي, أي الإسلام المعزز
بقدرات شعب عظيم وإمكانيات بلد ودولة كبيرة قد أخذوا على محمل الجدّ حركة
الإسلام, وكذلك فان التوّاقين للإسلام وأنصاره في كافة أرجاء الدنيا قد عمّهم
الأمل.
لقد اقتحم الكثير من الأنبياء ميدان الجهاد
والحرب المقدس {وكأيّن من نبي قاتل معه ربّيون كثير}, وإن الذين يتوهمون أن على
الإسلام أن ينزوي وعلى رجاله التوسل بمنطق النصح فقط, إنما هم يرددون عن علم أو
جهل ما تصبو إليه دوائر السلطة العالمية وتريده, فدوائر الهيمنة الإستكبارية لا
يرهبها أن يقبع زعماء الإسلام في زوايا العالم ويبادرون بين الفينة والأخرى
لإصدار بيان أو تصريح ـ كما يفعل أحبار المسيحية في إصدار بيان وإسداد موعظة
التفوه بكلمة في أيّ من القضايا ـ فهم يعلمون بأن ذلك لا يشكل خطرا بالنسبة
إليهم بل انهم يرهبون ويخافون أن يستيقظ المسلمون ويقيموا حكومة واحدة وأن
يتجسد الإيمان الديني لدى أبناء الأمة في إطار نظام واحد ودولة واحدة وحكومة
واحدة, ولقد خطا النظام الإسلامي والشعب الإيراني المسلم الخطوة العملاقة في
هذا الدرب, وبفضل جهاد شباب هذا الشعب والمؤمنين من رجاله ونسائه برز الإسلام
كثرة على الصعيد العالمي وكلما استطاعت هذه القوة أن تزداد ثباتا ورسوخا تضاعف
الخطر الذي يهدد النظام الظالم والشيطاني في العالم.
يتحدث البعض دون وعي عن فصل الدين عن السياسة,
بمعنى دفعهم الدين إلى أقبية الانعزال وأن يكتفي المتدين بالنصيحة فقط. إن
النصيحة هنا لا تقوى على فعل شيء, وإن ما يقوى على كبح جماح القوى الكبرى
وتهديدها ومقاومة الظلم والفساد واستئصالهما أو زعزعتهما هي القدرة الإلهية
والإسلامية, وما يتمتع به الحاكم الإسلامي من اقتدار سياسي وإمام الزمان
(أرواحنا فداه) ـ وبفضل ما يتمتع به من اقتدار وقوة ومنعة يرفده بها إيمانه
السامي وإيمان اتباعه وأنصاره ـ يتوجّه نحو الظالمين الدوليين ليقضي عليهم
ويحطم قصور الجور.
ومن الدروس الأخرى المستقاة من الإيمان بالمهدي
ومن احتفالات النصف من شعبان بالنسبة لي ولكم هو أنه بالرغم من أن الإيمان
بالمهدي (أرواحنا فداه) يمثل غاية سامية لا يتطرق إليها الشك, ولكن يجب أن لا
تنتهي القضية عند حدود بعد التمنّي فيها ـ أي تبقى طموحا قلبيا أو تتخذ طابعا
احتفاليا أو تتردد على اللسان على احسن تقدير ـ كلا, فهي أمنية لابد أن يردفها
العمل, فالانتظار الذي تحدثوا عنه ليس الجلوس وذرف الدموع, بل الانتظار إنما
يعني وجوب إعداد أنفسنا جنودا لإمام الزمان, فالجندية عند إمام الزمان ليس
بالأمر الهيّن, بل الجندية عند منقذ عظيم يصبو لمقارعة دوائر الهيمنة والفساد
الدوليين كافة تحتاج إلى بناء ذات ووعي وبصيرة. والبعض يتخذون هذا المعتقد
وسيلة لتحذير أنفسهم أو الآخرين, وإنه لخطأ, فينبغي أن لا يراودنا التصور أنه
بما أن إمام الزمان سيأتي ويملأ الدنيا عدلاً وقسطاً فلا تكليف علينا الآن.
كلا, بل العكس, إذ أننا مكلفون الآن بالتحرك باتجاه الاستعداد لظهوره (عج).
ولقد سمعتم فيما مضى أن هنالك أناسا كانوا من المنتظرين, فكانوا يحملون بسيوفهم
على الدوام, وهذا فعل استعراضي معناه أن على الإنسان بناء ذاته علميا ونظريا
وعمليا والتأهب للمشاركة في ميدان العمل والجهاد.
إن الإيمان بإمام الزمان لا يعني الانزواء, وقبل
انتصار الثورة كانت التيارات الضالّة ـ وما زالت تروّج الآن هنا وهناك ـ إلى أن
إمام الزمان سيأتي ويصلح الأمور فما عسانا صانعين الآن ! وما الداعي لأن نتحرك!
مثل ذلك كامتناع المرء عن إيقاد السراج في الليل المظلم بحجة أن الشمس ستشرق في
غد على الدنيا ويحلّ النهار ويضيء الكون! لا ربط لشمس غد بالوضع الحالي لي
ولكم, فإذا ما شاهدنا الظلم والإجحاف والتمييز والعنجهية تسود أرجاء الدنيا في
الوقت الحاضر فتلك مما يظهر إمام الزمان لمكافحتها, وإذا كنا جنودا لصاحب
الزمان فعلينا الاستعداد لمكافحتها, وإن أعظم واجب يتحمله المنتظرون لإمام
الزمان هو الاستعداد من الناحية المعنوية والأخلاقية والعملية ومن حيث ترسيخهم
للأوامر الدينية والعقائدية والعاطفية مع المؤمنين, وكذلك منابذة الجبابرة, وإن
الذين هبّوا للمشاركة في صفوف الدفاع خلال مرحلة الدفاع المقدس كانوا من
المنتظرين الحقيقيين, ومن كان على استعداد للدفاع عن القيم وعن الوطن الإسلامي
وعن راية الإسلام الخفاقة في حالة تعرض بلد الإسلام للخطر بوسعه الإدعاء بأنه
سيقتحم سوح الخطر خلف إمام الزمان إذا ما ظهر, أما الذين ينهارون وترتعد
فرائصهم في مواجهة الخطر والانحراف ومفاتن الدنيا وحلاوتها, والذين ليسوا على
استعداد للقيام بأية حركة من شأنها تعريض مطامعهم للخطر فأنّى لهم أن يكونوا في
عداء المنتظرين لصاحب الزمان (عج)؟!
فالمنتظر لذلك المصلح العظيم يتعين عليه إعداد
مقومات الصلاح في نفسه ويعمل ما يمكّنه من الثبات لتحقق الصلاح.
وثمة درس مهم آخر وهو أن الحكومة المستقبلية
للمهدي الموعود (أرواحنا فداه) حكومة شعبية بكل معنى الكلمة, فماذا تعني
الشعبية يا ترى؟ إنها تعني الاعتماد على إيمان الجماهير وإرادتها وسواعدها, فإن
إمام الزمان لا يملأ الدنيا عدلاً وقسطاً بمفرده, وانما يقرّ العدل الإلهي في
كافة أرجاء المعمورة ويقيم حكومة شعبية مائة بالمائة مستعينا بالجماهير المؤمنة
ومعتمداً عليها, والفارق بين هذه الحكومة الشعبية والحكومات التي تدّعي الشعبية
والديمقراطية في عالمنا المعاصر كالبعد ما بين الأرض والسماء, فما يسمونه اليوم
على المستوى العالمي بالديمقراطية وحاكمية الشعب هو عين تلك الدكتاتورية
القديمة لكنها ارتدت ثوبا جديدا, أي دكتاتورية الطبقات, فإذا ما كان هنالك
تنافس فهو يدور بين الطبقات ولا شأن للشعب به, إذ يستحوذ حزب على السلطة ويمسك
بمقدرات الأمور في البلاد بفعل قدرته السياسية مستغلاًّ ايّاها لجمع الأموال
والثروات لصالحه وتسخيرها للاستحواذ على المزيد من السلطة.
إن الديمقراطيات السائدة في عالمنا المعاصر تقوم
على الأعلام المزيّف الماكر وخداع الأبصار والقلوب. انظروا إلى اللذين يتشدقون
بشعار الديمقراطية اليوم في العالم ماذا يصنعون أثناء الحملات الانتخابية
للترشيح لرئاسة الجمهورية أو لنيابة المجالس البرلمانية وما ينفقون من أموال,
فالديمقراطية أسيرة في قبضة سلطة المال.
إن حاكمية إمام الزمان الشعبية ـ أي حاكمية الشعب
الدينية ـ تختلف تماما عن هذا الأسلوب.
ومن اجل هذا يأتي تأكيدي على وجوب الحذر من سوء
الاستغلال المالي داخل أجهزة السلطة التابعة للحكومة, فالخسارة الكبرى الناجمة
عن الفساد الاقتصادي داخل أجهزة الدولة إنما تتمثل في توظيف المال لخدمة السلطة
واستخدام السلطة لخدمة المال, فيتبلور عن ذلك دور باطل, حيث يُساء استغلال
السلطة والمسؤولية لجمع الثروة والمال, ومن ثم يكرّس هذا المال لشراء أصوات
المنتخبين, سواء كان شراء مكشوفا ـ كما هو المتداول في الكثير من مناطق العالم
حيث يدفعون الأموال ـ أو شراءً خفياً بأساليب متعددة, أي الحصول على الشعبية
عبر شتى الإنفاقات, فإذا ما استقطبت أصوات الجماهير عبر الإعلام الماكر الباذخ
فليست تلك حاكمية شعب ولا مشاركة جماهيرية, بل إن أصوات الجماهير أضحت هنا
ألعوبة, وان التوسل بالخداع والتحايل لاستقطاب أصوات الشعب يعد جرما في النظام
الإسلامي الذي يمثل بقية الله ( أرواحنا فداه) مظهره التام, وإن استقلال السلطة
للاستيلاء على الأموال يعد من أعظم الجرائم, فأنصار الإمام المهدي (عج) مكلفون
بأن يتخذوا الحد الأدنى من المعيشة, وإن نظامنا الإسلامي يمثل قبساً ضئيلاً من
تلك الحقيقة الزاهرة, ونحن لم ولن ندّع ذلك ابداً, ولكن لابد أن نتحلى بنفحات
منه.
يتعين على مراكز القوة ومن بيدهم الأجهزة على
اختلافها والدوائر والنافذة تواقيعهم أن ينظروا لجمع الثروة الشخصية على انه
خطيئة بالنسبة إليهم, إذ ذاك ستظل الأيدي والنفوس محافظة على طهارتها, وإلاّ
فلو أن مسؤولا يتحكم بمرفق من التجارة الخارجية أو مناقصة ضخمة, أو يتوقف على
توقيعه مشروع مهم وباهظ التكاليف أو يمسك بمقاليد صندوق مالي معين, قد أباح
لنفسه أو لذويه استغلال هذه الإمكانيات ـ التي هي ملك الدولة والشعب ـ سعياً
وراء مصالحة الشخصية, فسيحصل عين ما وقع في الدول المبتلاة بالأنظمة الظالمة في
العالم, سواء في الماضي أو الحاضر, أي تتمركز الثروة في مكان واحد, فيما تعاني
وقطاعات واسعة من الحرمان والفقر, وهذا هو التمييز الذي جاء الإسلام لمحاربته,
ونحن إذ ندّعي الإسلام علينا محاربة ذلك, أيضا. وما يقوله أمير المؤمنين (ع)
كما ورد في نهج البلاغة: "ما رأيت نعمةً موفورة إلاّ وفي جانبها حق مضيّع" ـ أي
حيثما رأيتم ثروة مكتنزة فاعلموا أن إلى جانبها حقوقاً جمّة مهدورة ـ فإن
مصداقه الحقيقي والبارز هو قدرة كوادر الحكومة ومسؤوليها على استثمار
الإمكانيات العامة بكل سهولة مستغلين نفوذهم وسلطانهم, فالبنوك تمنحهم القروض
دون عناء وتسهل لهم مختلف الدوائر إمكانية الانتفاع من الأرض, والماء,
والأجواء, والتجارة والاستيراد والتصدير, وإذا بكم تشاهدون من كانت أيديهم
خالية من أموال الدنيا حتى الأمس القريب قد امتلكوا ثروات طائلة, والأمر بظاهره
يحمل طابعا قانونيا! ولقد قلت ذات مرة إن العارفين بالقانون وينتهكونه أخطر من
غيرهم فالمتضلّعين بالقانون يعرفون جيدا ما ينطوي عليه من منعطفات والتواءات
لكنهم ينتهكونه دون أن يعرف أن عملهم انتهاك للقانون. ولو تفشّى مثل هذا الأمر
ـ لا سمح الله ـ بين شعبنا فانه يعد كارثة, وهو ما يتنافى تماماً مع النظام
الإسلامي ومع انتظار المهدي الموعود (عج), وإلى هذا المستوى دعوت المسؤولين
وصرحت به أمام المسؤولين مراراً وأكّدت عليه, و ها أنا أعيده مرّة أخرى وأصرّ
عليه: يجب مكافحة الفساد داخل أجهزة الدولة والدوائر الحكومية.
إن مسؤولي مختلف السلطات أنفسهم الذين يتولون
عملية المكافحة هذه والمسؤول بالدرجة الأولى للحد من الفساد داخل الحكومة هم
مسؤولو الحكومة من الوزراء وكبار المسؤولين, فلا يسمحوا للفساد أن ينمو داخل
قطاعاتهم, فإذا ما أرادوا القيام بعملية المكافحة وأخذوها على محمل الجد
فسيستطيعون أكثر من غيرهم النهوض بعملية المكافحة, وعليهم ـ بطبيعة الحال ـ
توخي الحذر والمحافظة علي نزاهتهم, وليعلم الجميع أن من انغمس بالفساد لن يقوى
على القيام بعملية مكافحة الفساد. فعلى المسؤولين أنفسهم مكافحة هذه الظاهرة
بفطنة ودقة, و إذا ما تقاعس المسؤولون ـ لا قدّر الله ـ في مكافحة الفساد داخل
مؤسساتهم فلا مفر من أن تتدخل السلطة القضائية, ويتعين على الجهاز القضائي
التصدي دون توانٍ أو محاباة لما يشاهده من فساد أو فعل فيه مخالفة للقانون ويصب
باتجاه الاستغلال.
أيّها الاخوة والأخوات الأعزاء, إن أهم ما يحتاجه
وطننا في الوقت الحاضر هو العدالة, فإننا الآن نحتاج إلى العدالة, وان الشعب
ليئنّ من التمييز, وإذا ما أراد مسؤولو البلاد ـ وكبار المسؤولين في البلاد
مؤمنون طاهرون والحمد لله ـ تحقيق ما يحتاجه الشعب حقا فعليهم التفكير
بالعدالة, فإذا ما تمّ إحياء التفكير والتحفّز نحو العدالة في القلوب, إذ ذاك
ستتاح الفرصة للعمل والسعي من اجل حلّ المعضلات واحدة تلو الأخرى فتعالج
البطالة والمشاكل الاقتصادية ومختلف المشاكل التي يعانيها الحقل الثقافي وتتيسر
عملية التطور العلمي في المراكز العلمية والجامعات, وسيتمكن شعبنا العزيز ـ بما
يتحلى به من إيمان أصيل وطهارة وثقة يعمر بها وجوده في النظام الإسلامي والحمد
لله ـ من الصمود بوجه التهديدات العالمية بكل استقامة وشموخ واقتدار وشهامة,
محذراً المعتدين والسلطويين والتوسعيين الدوليين من الاقتراب من حدود هذا الشعب
وثغوره.
اللهم منّ على شعبنا بالرفعة, واحفظ شبابنا وأنر
قلوب أبناء شعبنا بنور معرفتك.
اللهم تفضّل على هذا الشعب بمزيد الإقتدار يوماً
فيوماً, وأرض عنا القلب المقدس لولي العصر, واجعلنا أهلاً لأن نكون من جنوده,
واحشر الروح الطاهرة للإمام الخميني (ره) وأرواح شهدائنا العظام مع أوليائك.
والسلام عليكم ورحمة الله
وبركاته
|