الموضوع: المنهج السياسي للثورة الإسلامية

المناسبة: حلول الذكرى العشرين للحرب المفروضة على إيران الإسلام

الزمان والمكان: 6 رجب 1423هـ ـ طهران 13-9-2002

الحضور: قادة ومسؤولو حرس الثورة الإسلامية

أجواء الكلمة

الثورة الإسلامية بما تحمله من منهج سياسي منبثق من صميم الإسلام جعلها حية فاعلة متحركة وماضية قدماً للإمام، قد خلقت زلزالاً هزّ العالم بأسره، واستقطبت قلوب الشعوب الإسلامية والمستضعفة، فطال التشكيك والترديد كافة المفاهيم والمصطلحات التي روّج لها أتباع الشيوعية والماركسية على أنها القضاء الذي لا يرد ولا يبدّل حتى آل أمرها إلى الزوال وتلاشت تماماً، وها هو التشكيك اليوم يطال المفاهيم والمصطلحات البراقة لليبرالية الغربية على المستوى العالمي رغم المحاولات الواسعة من قبل التيار المتغرب للترويج لها.

في لقائه قادة ومسؤولي حرس الثورة الإسلامية، أشار سماحة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي (دام ظله) إلى عجز محاولات أعداء الثورة الإسلامية لعزلها عن الشعوب، وأكدَ أن الثورة حية وفاعلة، ومن المتعذر دفن الكائن الحيّ ومنعه من الحركة.

العناوين الرئيسة في كلمة سماحته:

ــ كفاكم فخراً حضوركم في سنوات الحرب الثماني

ــ الثورة كائن حيّ قائم

ــ مفاهيم الثورة الإسلامية

ــ مفاهيم الثورة ترتضيها الشعوب قاطبة

ــ الحفاظ على الوحدة.. الوصية الدائمة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

بدءاً أرحب بكم أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، القادة المضحين المخلصين في قوات حرس الثورة الإسلامية، حيث تجشتم العناء من أرجاء البلاد بحضوركم هنا، وكذلك العلماء المحترمين المعززين الذين يمارسون نشاطاتهم الدينية والتعليمية في وحدات الحرس الثوري، كما أبارك لكم جميعاً ولعوائلكم الكريمة حلول شهر رجب المبارك، شهر أولياء الله المكلل بالأعياد المباركة.

كفاكم فخراً حضوركم في سنوات الحرب الثماني

ما يتبادر إلى ذهن المرء حين اللقاء بهذا الجمع الحاضر النادر الذي يقل نظيره هو الشعور بالتقدير والثناء؛ فهذا الجمع إلى جانب أخوتهم الشهداء يمثل تلك الثلة التي صانت البلاد من الغزو والعدوان الهمجي الظالم على مدى ثماني سنوات بل أكثر، وإن لقواتنا المسلحة هذه الصفحة الوضاءة في سجلّها التي لا يعتريها القدم أبداً. فأنتم حرس الثورة الإسلامية وقوات التعبئة والجيش وكافة القوى الفاعلة إن لم تتمتعوا على مدى تاريخكم بأية صفحة وضاءة غير حضوركم الذي سجلتموه خلال تلكم السنوات الثماني لكفاكم فخراً وشموخاً وشعوراً بالعزة. فما أكثر الأبدان الطاهرة والأرواح النورانية والألسن الذاكرة والأيدي البيضاء والكُبّار والملائكيين من الناس الذين كانوا بين ظهرانيكم خلال هذه السنوات الثمانية والذين انبروا للحفاظ على الوطن والشعب والتراث التاريخي له، وقد نالوا أجر ذلك حيث عرجوا إلى الملكوت الأعلى، فيما نال البعض شرف التعويق أيضاً، وكثيرٌ آخرون مازالوا بين شعبنا والحمد لله، وهم أنتم وسائر الإخوة المجاهدين من حقبة الدفاع المقدس.

هذا هو أول شعور يتبادر إلى ذهن المرء. والقضية هنا هي أن تكريم حرس الثورة ليس تكريماً لأمرٍ تراثي أو تاريخي، فالبعض يحاول إبداء التكريم والتقدير لحرس الثورة ولكن كشيء يعود لحقبة قد تصرَّمت يُحفظ الآن في المتحف. وتكريم حرس الثورة بهذا النمط خاطئٌ تماماً؛ فالحرس كيانٌ حيّ لا يختص بفترة تاريخية معينة أطلّت فيها بوادر البلاء فأبلى الحرس بلاءً حسناً، بل هي مرتبة من سلّم التكامل المعنوي، إذ من الممكن أن تعترض أي شعب مثل هذه الوقائع. فلا يمر وقت على أي شعب بحيث يأمن وقوع مثل هذه الأحداث فلا يدهمه بلاء عسير. وهكذا الحال بالنسبة للإنسان؛ فلا ينبغي للبشر أن يعيشوا مرتاحي البال من أن لا يصطلمهم البلاء وهم يسيرون في درب بغاية الحساسية والدقة. فلابد من التزام الحذر على الدوام. وهذا هو المراد من التقوى بما تعنيه من الحذر الدائم.

هكذا الحال بالنسبة لتشكيلة الحرس، فإن ما نوصي به دائماً من المحافظة على الاستعداد لا يعني الاستعداد العسكري فقط، بل ثمة عنصر جوهري للاستعدادات ربما يوظف الاستعداد العسكري لخدمته، فلابد من المحافظة على استعداد الأفئدة والمحفزات والإيمان والمعرفة والعشق الذي يتحرك به كيان الإنسان، فإذا ما توفر هذا الاستعداد إذ ذاك يتيسر الاستعداد العسكري، وإلا فلن يكون ثمة مفعول للسلاح والمعدات والانضباط وسائر الاستعدادات الميدانية والموقعية وما شابه ذلك، وذلك ما امتاز به حرس الثورة خلال تلك الفترة، وقد حافظ وسيحافظ على هذا الامتياز بعونه تعالى.

الثورة كائن حيّ قائم

ما الذي تقومون بحراسته أنتم قوات الحرس؟ إنها الثورة الإسلامية؛ فالثورة ليست لفظاً وحسب ولا حركة دفعية، وإنما هي حركة متواصلة تختلف متطلباتها باختلاف الأزمنة. وإن الذين يناصبون الثورة العداء ليسوا أعداءً لما كان قد وقع في الثاني والعشرين من بهمن عام 1357 هــ.ش [يوم انتصار الثورة] فذلك قد مضى، وإنما هم يعادون كائناً حياً قائماً.

إذن، فالثورة مستمرة وحاضرة، وهي ككتاب ما إن تصفحتموه تجدون فصولاً من المعرفة قد سُطرت فيه، فالمعرفة الدينية والسياسية والأخلاقية بأجمعها ملحقات بالثورة؛ فعلى الصعيد السياسي تتميز الثورة بروعة خطابها وحداثته للبشرية بأسرها وليس للشعب الإيراني وحده. والبعض يتصور أن الألفاظ والمصطلحات والتعابير العلمية التي تبلورت لدى المعسكر الليبرالي الغربي وأخذت ترد إلى بلادنا إنما هي تحفة عصرية لم تكن الثورة قد سمعت بها وعلى الثورة والثوريين الاستماع لها الآن! وهذا خطأ فادح، إذ إن الثورة لم تتولد في فراغ، وإنما الثورة الإسلامية وهذا السجل الحافل من المعارف إنما ولد في زمن كانت هذه المفاهيم هي السائدة في العالم بألفاظها وتجلياتها، بالإضافة إلى أننا الآن أخذنا ندرك وكذلك شعوب العالم أيضاً في ضوء المنحى الذي اتخذته أمريكا وسياستها بواطن التعابير والمصطلحات والألفاظ العلمية التي اتخذها المعسكر الغربي وعلى رأسه أمريكا.

أضف إلى ذلك النظام المترامي الأطراف الذي كان سائداً يومذاك ويحمل اسم الشيوعية والاشتراكية، وهو يفوق بكثير الليبراليين في الغرب، بحيث إننا كلما كنا نتحدث عن فرضيات الأسس السياسية والعلمية في الإسلام كانوا يردّون: ما الذي تعنيه هذه الفرضيات؟ هذه هي الماركسية تمثل علماً. إنكم إذ تقولون ما المفروض أن يتحقق، نقول نحن ما الذي نشاء أو لا نشاء أن يتحقق! وهذا ما يصفون به الماركسية، إذ كانوا يرون حتميتها، بحيث عكفوا ــ وعلى مدى قرن أو أكثر من الزمان ــ على تدوين المفردات التي يتعين أن تتسلسل في تحققها كي يقيموا النظام الاشتراكي ومن بعده الشيوعي في العالم، إذ كانوا يقولون لا رجعة في ذلك أبداً، وهذا ما هو قائم حتماً شئتم أم أبيتم، والشيوعية لا محالة قادمة لتعم الدنيا سواء تحدثتم عمّا يُفترض أو ما لا يُفترض تحققه أم لا. ولكن ها هو اليوم حيث لا أثر لذلك القضاء الذي لا يُرد ولا يُبدّل الذي كان الشيوعيون يروّجون له، إذ تبخر حلمه وتلاشى اسمه وزال شأنه ورسمه.

واليوم فإن الغربيين يرددون نفس منطق الحتم وذلك القضاء الذي لا يُرد ولا يبدَّل فيما يخص مفاهيمهم، إذ يصرحون أن لا مفر من العولمة، فهي قدر الشعوب وهي متحققة شئتم أم أبيتم، وإن هيمنة المعسكر الليبرالي الديمقراطي في الغرب وعلى رأسه أمريكا هو ذلك القضاء الذي لا يُرد ولا يبدل وهو حتمُ لا مرد منه! ومن خلال فرضهم لسورٍ من حديد في الوقت الحاضر حول حقائق حياتهم يحاولون الحيلولة دون اطلاع أحدٍ عليها ومعرفة بواطن أفعالهم. وإن الكثير من الشباب كانوا يُخدعون بهذه الألفاظ والتعابير.

إن حقائق أعمالهم مكشوفة، لكنهم في نفس الوقت يدّعون دون خجل وبكل صلافة أن ما يطرحونه حتم لا رجعة فيه! وهنالك حفنة من السذَّج ــ وأفضل ما يُعبر عنهم في نظري أنهم سُذّج ــ تتلاقف هذه الألفاظ، متوهمين تعذر المؤاخذة عليها ومناقشتها، ومن ثم يروجون لها في الأوساط الفكرية والعلمية بين الشباب وغيرهم ويكدّون من أجلها بغية زج هذه المفاهيم في عقول الناس.

لقد ولدت الثورة يوم كانت هذه المفاهيم هي السائدة، والثورة هي التي حكمت عليها بالبطلان. ولقد شهدنا على مدى حياتنا ــ خلال العهد البهلوي ــ الدنيا البراقة التي كان الغربيون يصورونها تعج بحقوق الإنسان وحرية التعبير، وفهمنا يومها الديمقراطية ومعنى حقوق الإنسان؛ فالأمريكان هم الذين قاموا وبالتنسيق مع النظام الملكي ببناء مقرات الساواك الرهيبة وأقبية التعذيب ووسائله وابتكار شتى الأساليب لاقتناص الشباب من أبناء هذا الشعب وقمع الجماهير. هذه هي الليبرالية الديمقراطية التي يؤمِّلون شعوب العالم بها الآن وتروّج لها إذاعاتهم أن يا شعوب العالم الثالث ــ ونحن من المخاطبين أيضاً ــ هلّموا إليها! لقد خبرنا ذلك وجربناه خلال حياتنا وليس هو بخافٍ عنا، إذ لمسنا عن قرب الحكومة البهلوية الدكتاتورية السوداء التي كانت مخالبها تقطر دماً ويعجّ كيانها بالفساد، وكانت تقترف كل تلك الجرائم بمباركة أمريكا ومساعدتها ومساندتها؛ فنحن قد لمسنا هذه الأمور عن كثب ولم تكن خافية علينا، وشاهدنا ما يطبّلون له من حقوق الإنسان في داخل السجون وأقبية التعذيب، وقد داعبت جلودنا ولحومنا حقوق الإنسان الأمريكية، أَوَ ينسى الشعب الإيراني ذلك؟!

إن ما طرحته الثورة الإسلامية كمعرفة سياسية على الصعيد العالمي إنما جاء في زمنٍ وظروفٍ كانت الدنيا تعج بهذه المفاهيم، فخلق صدى الثورة زلزالاً هزّ العالم بأسره، وهذا الزلزال هو الذي دفع هؤلاء لمعاداة الثورة، وذلك لحالة الترديد التي عمّت الشعوب ومثقفيها تجاه هذه المفاهيم. واليوم كذلك، فقد طال التشكيك على المستوى العالمي كافة المصطلحات والألفاظ التي روّج لها ما يسمَّون بالمثقفين في الغرب من السائرين في فلك وزارة الخارجية أو وكالة المخابرات الأمريكية ومختلف الأجهزة فيها عبر ما يصرحون به أو ما يكتبونه في الصحافة التي تتشدق باسم الحرية، وهي ليست من الحرية بمعناها الصحيح في شيء، وقد غدت محط شك وترديد لدى جيل الشباب والمثقفين والواعين في كافة أرجاء العالم، سواء على صعيد العالم الإسلامي أو خارجه، وقد رُفِضَ الكثير منها بحزم.

مفاهيم الثورة الإسلامية

إن أرباب السياسة ــ بطبيعة الحال ــ يأبون التطرق لذلك، بل هم يتكلمون ويكررون ذات الألفاظ من موقع سياسي وبأسلوب عنجهي، بيد أن الإسلام فعل فعلته، والثورة الإسلامية فعلت فعلها، وإن الثورة الإسلامية بما طرحته من معرفة سياسية أعلنت مناهضتها للاستبداد الذي يرفضه الإسلام ــ تحت أي عنوان كان ومن أيٍّ صدر ــ بما يعنيه من استبداد بالرأي، وقد ناهضت الاستكبار والتطاول والتدخل في شؤون الشعوب المظلومة والعدوان عليها، ورفضت الدعوات التي يغلّفها العنف والتعسف للحروب. وإن الإسلام رفض الهيمنة على ثروات الشعوب تحت يافطة العناوين البراقة؛ أي إن هذه المفاهيم قد انبثقت من صميم الإسلام وعُرضت أمام العالم كمنهج سياسي للنظام الإسلامي والجمهورية الإسلامية انحنى الجميع أمامها تعظيماً، وهي التي كانت سبباً في شهرة اسم إمامنا العظيم، والسر في تعظيم الشعوب حيثما توجهتم لاسم الإمام الخميني "ره" هو وجود هذه المفاهيم التي كانت تستوعبها الشعوب وتدركها بكل كيانها وتشعر أنها السبيل الوحيد لعلاج آلامها، غاية الأمر أن بعض الشعوب استطاعت تطبيقها عملياً، حيث استتبت لها الظروف، فيما عجزَ بعضها، وقُمع البعض الآخر. وفي كثير من مناطق العالم جرى العمل بهذه الوصفة في بعض المرافق وقطفوا الثمار.

أَوَ ليست المشكلة التي يعانيها العالم المعاصر تتمثل في تطاول القوى الكبرى المتجبرة وعدوانها؟ فلو شاءت القوى الكبرى تجريد بلدٍ أو بلدين من كافة نشاطاتهما الاقتصادية في غضون ثمانٍ وأربعين ساعة ودمَّرتهما، كما شاهدتم قبل سنوات ما فعلوه بماليزيا وأندونيسيا؛ ففي زهاء عدة أيام هبطوا بالمستوى الاقتصادي لهذين البلدين 40 ــ50 درجة نحو الأسفل بفعل هيمنتهم على عملة البلاد واقتصادها وسحبهم لأرصدتهم منها. فالشعوب تستشعر هذه السلطة الظالمة حيث ترى أن قوة ظالمة تتشبث بأية ذريعة فتفعل ما تشاء في مناطق من قبيل أفغانستان والمناطق المسلمة من أوربا، وهذه الشعوب تدرك أحقية النظام والثورة التي تنهض برسالة المعارضة والرفض لمثل هذه القوة، وذلك هو الإسلام الذي تحمله الجمهورية الإسلامية.

لقد كانت الشعوب الأفريقية تعاني التمييز العنصري، وفي تلك الأيام حيث كانت الحكومات العنصرية ماتزال تقف على رأس الأمور كان مثقفو جنوب أفريقيا يُظهرون تعظيمهم للإمام وسائر المناضلين. وحين زيارتي لزمبابوي سلّمني "نيلسون مانديلا" الذي أطلق سراحه فيما بعد وأصبح رئيساً للجمهورية ــ وكان حينها سجيناً ــ رسالة أن أبلغوا سلامي للإمام الخميني، وفيما بعد نزلوا إلى الساحة بذات النهج الذي تعلموه من الإمام ونجحوا في تخليص الحكم من قبضة نشطاء التمييز العنصري، وهكذا بالنسبة للبلد المجاور لهم والكثير من بلدان العالم.

مفاهيم الثورة ترتضيها الشعوب قاطبة

من الأمور التي باشرها الأعداء منذ مطلع انتصار الثورة، التنكر لامتداد الثورة بقولهم إن الثورة تعيش العزلة وليس هنالك مَنْ يتقبلها. وها هم الآن يعيدون ما كانوا يقولونه قبل عشرين عاماً، وإذا كانوا يكذبون حينذاك فهم كذلك اليوم. إن مفاهيم الثورة حيّة في العالم؛ وإن ما نؤمن به من حاكمية الشعب والتسليم لدين الحق والقيم الدينية، وما تتملكه قلوبنا من بغضٍ ومناهضة للقوى المتجبرة، والحق الذي نراه لكافة الشعوب وللإنسانية بأسرها، إنما هي مفاهيم ترتضيها الشعوب قاطبة وتتقبلها، غير أن دعايات الأعداء على قدر من القوة، ولقد قلتُ مراراً إن الذهب والقوة والتزوير قد اجتمعت لدى الاستكبار في الوقت الحاضر، وهم إنما يستخدمون الأبواق الدعائية وسيلة للتزوير.

إن الثورة حية وفاعلة ومتحركة وماضية قدُماً، ولو لم تكن كذلك لكان قُدِّر للثورة الإسلامية والنظام الإسلامي أن يرتديا عشرة أكفان لحد الآن؛ فمن المتعذر دفن الكائن الحي ومنعه عن الحركة، بل هي حية وستبقى حية. وإن شعبنا يتقبل هذه المفاهيم، وطلائعنا التي تتحلى بالإخلاص والإنصاف تتقبلها أيضاً، والثورة والنظام بما يتمتعان به من هذه المواصفات يتميزان بقدرتهما على الصمود. وهذا ما أدركه أعداؤنا؛ وإن الأمل الوحيد الذي يراود هؤلاء هو أن تتعرض هذه المفاهيم والمتبنيات للتشكيك والترديد في قلوب الناس وفي مقدمتهم المسؤولين، وإنهم يحاولون زرع هذه الوساوس في قلوب مَنْ لهم يدٌ أو يعملون في أي مرفق من مرافق النظام. والتشكيك الذي هو صفة في غاية السوء والخطورة لا يلقنونه معززاً بالاستدلال لأنه يفتقر إلى الاستدلال، وان النظام الذي يدّعي قيادة العالم الآن وتقف على رأسه أمريكا لا يترشح عنه سوى الظلم وسفك الدماء وأعمال العنف التي يندر نظيرها وإهدار الحقوق والتمييز؛ وهذا مما لا يورث الثقة في قلب أي أحد. ولذا فهم يفتقرون للاستدلال، وإنهم يحاولون من خلال الإعلام وشراء الضمائر ورشوة هذا أو ذاك زعزعة كيان النظام الإسلامي من الداخل. فلابد من التحلي بالحذر إزاء ذلك؛ وليس ذلك مختصٌ بكم فقط، بل يشملنا جميعاً، وعلى كلٍّ منا أن يراقب قلبه بالدرجة الأولى ومن ثم مجموعته والمرتبطين به.

إن القلوب المفعمة بالإيمان والبصيرة والمعرفة لا تُهزم ولا يعتريها الرعب أبداً. ولغرض بث الرعب والانهزامية والتركيع والمهادنة لابد أولاً من زرع الشك في القلوب، وهذا الشك لا يدب على الدوام عن طريق الاعتراض، بل تارة تدب هذه الشكوك عن طريق البدن والشهوات والأهواء الجسدية وحب المال "المال الفتون"، وأنتم تتذكرون الدعاء الوارد في الصحيفة السجادية "اللهم حصِّن ثغور المسلمين"، هذا الدعاء الذي كان الكثير من شبابنا يقرأونه أيام الجبهات، فلربما يدب التفكير بالمال الفتون إلى القلوب، والمال مثير للفتنة. وإن حب الجاه والمنصب والدعة والرفاه والبهرجة من الأمور التي تولج الشك في قلب الإنسان وعقله عبر بدن الإنسان وشهواته، فاحذروها.

الحفاظ على الوحدة.. الوصية الدائمة

إنني لا أدعو أحداً للتحلي بالزهد العلوي، فهو أرفع من ألسنتنا ــ ولا أنسى ما رمتُ التنويه إليه في البداية من أن هذه التشبيهات التي ساقتها الأخوات العزيزات تؤذيني في واقع الأمر، فدعوها ولا تشبّهوا أمثالي بهؤلاء العظام الخالدين في الملك والملكوت، ونحن، والحمد لله، مع عدم رضانا بهذه التشبيهات، نرى أن ذكرها ليس صالحاً من الأساس، حيث يتم التشبيه بأمير المؤمنين أو نبي الإسلام الأكرم (ص) ــ وإنني لا أدعو أحداً للزهد العلوي لأنه أعظم بكثير من عقولنا وأفهامنا، لكنني أدعو للقناعة، وأن لا تسمحوا للمطامع والمطامح أن تباغتكم وأن تحذروها؛ فحب الدعة والراحة والرفاه أمور تترك أثراً سيئاً على الإنسان الذي لا يدركها للوهلة الأولى، إذ إنها تترك أثرها تدريجاً، فإذا بالإنسان يحاول الحركة والعروج لكنه لم يعد قادراً. احذروا وحافظوا على جمعكم، وهذه هي وصيتي الدائمة؛ فاحرسوا بدقة العقول والقلوب والأذهان والإيمان، واعلموا حينذاك أنه ليس ثمة عنصر أو قوة تحت هذه السماء تقوى على قهركم. وهذه التصريحات والحشود والتهديدات التي تمارس ليست بالتي تقوى على أن تقهر شعباً مؤمناً يضم في أوساطه مجاميع صلبة مثلكم، وإنها لعاجزة عن إلحاق الهزيمة بأي شعب.

واضحٌ تأثير السلاح المدمّر، غير أن أية هزيمة لا تنزل بأيّ شعب عن طريق ذلك، فالهزائم إنما تطال القلوب أولاً، وعن طريقها يُهزم البشر؛ ففي بداية الحرب كان البعض ــ ونتيجة للنواقص التي كنا نعانيها ــ يقولون: يجب مقابلة كل مائة دبابة بمائة مثلها، وبدون ذلك يستحيل خوض الصراع. لكن هؤلاء الشباب ــ وهم أنتم ــ أثبتوا عكس ذلك؛ فلمقابلة كل مائة دبابة يستلزم وجود مائة قلب، مائة إنسانٍ مضحٍّ يضع روحه على كفه، ولطالما تكرر أن تقهقرت مئات الدبابات أمام مئات الشباب البواسل ممّن كانوا يحملون سلاح "آر. بي. جي ــ7" وما شابهه، وبالتالي أفلحوا في دحر العدو الذي قَدِمَ مدججاً بما لديه من تجهيزات ودعمٍ دولي، أخذوا يعترفون به الآن شيئاً فشيئاً! فقد أُرغم عن التقهقر والانسحاب خائباً ذليلاً إلى خلف الحدود بفعل الاستبسال والإيمان. فلابد من الحفاظ عليهما.

إن حرس الثورة الإسلامية ــ والحمد لله ــ كيان حيّ وفعال ومؤمن ملتزم بمعنوياته وقيمه، فعليكم بعرفان قدره. وكثيرة هي الوساوس التي تفتعل؛ فالبعض يوجهون الإهانات، وآخرون يُلبسون الإهانة بلغة التكريم، فيما يُنكر البعض المناقب! كل هذه لا تقوى على تحريف الحقائق أو محو القيمة الحقيقية لجمع تآلف وتبلور بمكوناته عبر جهاد مرير؛ فهو لم يأتلف في غضون يوم واحد كي يستطيعوا محوه عبر كتابتهم لعدة أسطر، وإن الحقيقة التي ائتلفت مع بعضها لَمِن المتعذر القضاء عليها. غاية الأمر يتعين عليكم أنتم المحافظة عليها ومراقبتها، وأن تحافظوا على وحدتكم؛ فمن المآرب التي يطمع بها الأعداء وأشباههم هي زعزعة الوحدة داخل الحرس. فحافظوا على وحدتكم وتآلفكم؛ وإذا ما كانت هنالك خلافات ثانوية في مفصلٍ ما فعليكم تنحيتها، ونظّموا جهة مساركم، وامضوا إلى الأمام بكل شجاعة واقتدار متوكلين على الله. فهذا واجبكم الأساس، وإن المحافظة على الثورة إنما تتحقق عن هذا الطريق.

أسأل المولى تعالى أن يمنّ عليكم بخاصة ألطافه، ويجعلكم ممن تشملهم الأدعية الزاكية لبقية الله الأعظم "أرواحنا فداه"، وأن يبلّغنا وإياكم جميعاً آمالنا الكبرى بالجهاد في سبيل الله وفي ركاب بقية الله الأعظم "أرواحنا فداه".

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته