كلمة الإمام الخامنئي (دام ظله) لدى زيارته لمحافظة قزوين

 

الموضوع: تجلي أحقية شعارات الثورة الإسلامية
المناسبة: زيارة قائدة الثورة الإسلامية(حفظة الله) لمدينة قزوين
الزمان والمكان: 21 شوال 1424هـ الموافق 15-12-2003م - مدينة قزوين
الحضور: جمع غفير من أهالي مدينة قزوين

أجواء الكلمة
بمناسبة زيارته التاريخية لمحافظة قزوين وفي حشد جماهيري عظيم ألقى قائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله) كلمة أشار فيها إلى :

ـ
أهمية مدينة قزوين التاريخية والعلمية والدينية.
ـ قيام نظام الجمهورية الإسلامية على أساس رغبة وتطلعات الجماهير.
ـ أهمية ارساء العدالة وتوزيع الثروة بالتساوي بين المواطنين .
ـ عدم اكتفاء المسؤولين بالاتكاء على أريكة السلطة دون التفكير في وضع البلاد ومستقبلها .
ـ أهمية مجلس الشورى والانتخابات والمواصفات التي يجب أن تتوفر في المرشحين.
ـ باتت أحقية نداء الثورة وشعارات بين شعوب وبلدان العالم.
ـ عدم مصداقية شعارات الديمقراطية والحرية التي ترفعها أمريكا.
ـ كان أن العالم أفضل من دون صدام كذلك فإن العالم من دون بوش وشارون أفضل بكثير.



بسم الله الرحمن الرحيم


ا
لحمد لله رب العالمين، و الصلاة والسلام على سيدنا ونبينا أبي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين المنتجبين الهداة المهديين المعصومين سيما بقية الله في الأرضين.
أشكر الله تعالى على لطفه وتوفيقه لي بزيارة هذه المدينة التاريخية القديمة والالتقاء بأهلها المتدينين الثوريين ذوي الحماسة والحميّة.


إنه لمن الواضح للعيان أن أهل قزوين كانوا على جانب كبير من الوفاء والإيمان سواء أكان ذلك فيما يتعلق بقضايا الثورة أو فيما تلاها من أحداث. فهم أناس متدينون يتمتعون بالشهامة والتضحية والسخاء. وكانوا دائماً من السبّاقين إلى أعمال الخير وعظيم التضحيات. وهذه الفضائل كان أهل قزوين يتسمون بها منذ زمن بعيد. حتى أنهم دأبوا عليها في كل عصر وزمان.

أهمية قزوين التاريخية والعلمية
وعندما نتصفح التاريخ فان مناقب قزوين وأهلها تتبدّى أمامنا بجلاء، وهو أمر بالغ الأهمية. فمما لاشك فيه أن ثمة تمايزاً بين قوم يتمتعون بماض تاريخي وحضاري عريق وقوم لا أصالة لهم في التاريخ والمدنية والثقافة. وان الشعب الإيراني الذي يتميز بالعراقة والأصالة الحضارية التي نشاهد نموذجاً لها في هذه المدينة العريقة التاريخية استطاع أن يكرس وجوده على قمة المجد كشعب أصيل وعريق بين شعوب العالم.

وعندما أسرّح البصر في تاريخ قزوين فإنني أجد أن أحد أبرز علماء الجغرافيا في عالمنا الإسلامي العظيم وصف مدينة قزوين لدى زيارته لها منذ نحو ألف عام بأنها حاضرة للفقه والفلسفة. إن العالم الشهير (عبد الجليل القزويني) قد نشأ في ربوع هذه المدينة منذ نحو تسعمائة عام مضت، وإن كتاب (النقض) لعبد الجليل القزويني الرازي لمن المؤلفات القيمة والمهمة في أوساط المتكلمين وأرباب الفكر والعلم في عصرنا الحاضر. ومنذ حوالي ثمانمائة عام ألّف أحد العلماء كتابا في ثلاثة مجلدات حول قزوين وأسمه (التدوين) وهو كتاب يتناول الشخصيات العلمية والفكرية والدينية والسياسية في قزوين بالدراسة والتحليل. إن مثل هذا الماضي العريق لعلى قدر كبير من الأهمية. ففي ذلك الوقت، وعندما كان العديد من المدن الإيرانية لا يعدو كونه قرى صغيرة، حتى أن بعضها لم يكن موجوداً أصلاً، فاننا نلاحظ أن قزوين كانت تضم بين أكنافها كل هذا العدد الكبير من العلماء والشخصيات البارزة والمعروفة التي توفر عليها كتاب (التدوين) في مجلداته الثلاثة. إن عالما ومؤرخا كبيرا مثل (حمد الله المستوفي) كان من الشخصيات اللامعة في هذه المدينة منذ سبعمائة سنة مضت. كما أن الشاعر الكبير (عبيد الزاكاني) قد نشأ أيضاً في هذه المدينة منذ نحو سبعمائة عام.

وفضلا عن ذلك فإن قزوين كانت هي الحاضرة السياسية لهذا البلد العظيم قبل أربعمائة وخمسين عاما. ولقد قرأت فيما قرأت حول قزوين ومنطقة قزوين أن من بين أهلها يوجد عدد كبير جداً من الفقهاء والحكماء والأطباء والرياضيين والمؤرخين والفنانين والشخصيات المرموقة بحيث لو أردنا مجرد ذكر أسمائهم فإن ذلك سيتسغرق نحو ساعتين أو ثلاث ساعات على أقل التقادير. وإنه لمن الجدير بكم يا أهل قزوين وشبابها وفتياتها الذين شببتم وترعرعتم في أجواء هذه البيئة الثقافية والتاريخية أن تجعلوا منها لكم سنداً تاريخياً ودعامة حضارية.

قزوين منجبة العلماء والشهداء
لقد تعرفت على اثنين من علماء قزوين العظام عندما كنت شاباً أدرس العلم في حوزة مشهد العلمية، وهما المرحوم الحاج الشيخ هاشم القزويني والمرحوم الحاج الشيخ مجتبى القزويني، وقد كانا من النجوم اللامعة في سماء حوزة مشهد العلمية الذين علقنا عليهم الآمال في عهد الصبا والشباب ونحن نرفل في جنبات الحوزة العلمية في مدينة مشهد. لقد كان اسم (قزوين) إسماً له بريق يخلب ألباب الطلبة والدارسين في الحوزة العلمية في مشهد بفضل هذين العالميْن الكبيرين. وكان هذان العالمان ـ ولاسيما المرحوم الحاج الشيخ مجتبى ـ من مريدي وطلاب عالم قزويني بارز آخر هو المرحوم السيد موسى الزر آبادي، تلك الشخصية العظيمة الذي يعد من مفاخر هذه المدينة التي كانت مركز الاشعاع المعنوي والأخلاقي والعرفاني لأجيال عديدة من طلاب العلم والباحثين عن المعرفة.

إن مدينة قزوين أنجبت العديد من كبار العلماء الذين ينتمون للجيل السابق من أمثال الشهيد الثالث الذي توجد مقبرته هنا في هذه المدينة، والمرحوم الملاّ محمد تقي البرقاني، وأخوه الملاّ في محمد صالح البرقاني، وسواهم من الفقهاء البارزين الكادحين الذين تنكروا للعزلة والانطواء وصبوا كل جهودهم على التفكير في حياة ومصير الجماهير الكادحة، فأخلصوا للناس وضحوا بحياتهم من أجلهم.

وعندما نعود إلى أيام الثورة الإسلامية، نجد أن كافة أنحاء البلاد قدمت الكثير من التضحيات والشهداء العظام، إلاّ أن شهداء وأبطال وتضحيات قزوين تبقى هي الأشد جلاءً وبريقا وعلى رأسهم جميعاً الشهيد رجائي الذي يعد من الشخصيات النادرة في تاريخ ثورتنا الإسلامية. ومن بين المقاتلين الأبطال ـ سواء على مستوى الجيش أو الحرس الثوري ـ هناك الشيهد بابائي، وهو رجل عظيم وشخصية خالدة لا تنمحي من الأذهان على مرّ الزمان. كما أن من بين الأسرى الأحرار هناك معلّمهم الروحي المرحوم أبو ترابي، وهو من النماذج الرائدة. لقد كنت أعرف تلك الشخصيات الثلاث البارزة من قريب، فلدىّ معرفة بخصوصياتهم الأخلاقية، وأعلم جيداً كم كانوا كباراً أو عظماء. وهؤلاء هم شهداء قزوين. لقد قدمت مدينة قزوين وحدها ألفي شهيد، وأما محافظة قزوين فقد ضحت بنحو ثلاثة آلاف شهيد، وهذه هي أمجاد قزوين وأهاليها الذين يتميزون منذ قرون طويلة بالإلتزام الديني وعلوّ الهمة والإرادة الصلبة فضلاً عن القناعة والسخاء.

إن النظرة إلى جميع مناطق البلاد ـ ومنها قزوين ـ باتت نظرة خاصة بعد انتصار الثورة الإسلامية، إنها نظرة تختلف عن المراحل السابقة، إنها نظرة التعاون وتقديم الخدمات لجماهير الشعب. لقد منّ الله سبحانه وتعالى بالخير العميم على أهالي هذه المنطقة. وكما أشار إمام الجمعة الموقر، فان هذه المحافظة تتمتع بالتربة الخصبة الصالحة للزراعة وتتميز بسهولها الخصبة. ولكن ينبغي التحكم في المياه، فهناك جهود محمودة بذلت في هذا المجال، غير أن الأمر في بحاجة إلى المزيد من الجد والاجتهاد. ولا شك أن أهالي قزوين ـ كغيرهم من أهالي المناطق الأخرى ـ يتوقعون الكثير من الحكومة والمسؤولين، ولابد من تحقيق ما يصبون إليه من آمال وتطلعات.

ضرورة حل مشاكل الناس وتحقيق طموحاتهم
لقد درجت على التعرف على آراء ووجهات نظر أهالي كل مدينة قبل القيام بزيارتها، سواء أكان ذلك عن طريق البحث وتقصي الحقائق والحوار مع المسؤولين أو عن طريق الناس أنفسهم. وعندما يُوجّه السؤال إلى مسؤولي الحكومة عن متطلبات أهالي قزوين فإن الجواب يأتي على غرار جواب أهالي المناطق الأخرى بلا فرق بينها.

أنهم يطالبون بالتغلب على المشاكل الاقتصادية، وحل مشاكل الشباب ـ ومنها الدراسة والمسكن والزواج ومشكلة البطالة ـ والتخلص من ظاهرة الغلاء وارتفاع الأسعار والعثور على حلول مناسبة لمشاكل الإعمار والبناء في المدن والقرى. فعلى المسؤولين التجاوب مع الأهالي في حل مشاكلهم بقدر ما يستطيعون، فهذه مطالب مشروعة وأنا مع الأهالي في تلبية هذه الحاجات إن هذا هو أحد أهداف قيامنا بزيارة المناطق والمدن المختلفة. فهدفنا هو تعرف المسؤولين من جديد على تفاصيل وجزئيات قضايا ومشاكل كل مدينة أو محافظة نتوجه إليها. إن واجب المسؤولين هو تقديم الخدمات لكافة فئات الشعب، وهم يرغبون في ذلك حقيقة، فعلينا أن نمدّ لهم يد العون حتى يستطيعوا تقديم المزيد من هذه الخدمات بأقصى سرعة ممكنة.

لقد كان من بين أجوبة الأهالي عما يطرحه المعنيون عليهم من أسئلة قبل القيام بزيارة منطقة ما، هو حث المسؤولين ـ ولا سيما مسؤولي تلك المنطقة ـ على متابعة تنفيذ المشاريع الخدمية، وهو أمر نقوم به بالطبع، ولسوف تكون لي لقاءات مع المسؤولين والجهات المختلفة خلال المدة التي أنوي قضاءها في محافظة ومدينة قزوين، وآمل أن أقدم لهم كل ما يجب تقديمه من وصايا ونصائح.ان هناك بعض النقاط التي أود استعراضها معكم أيها الاخوة والأخوات والأبناء الأعزاء:

فالنقطة الأولى هي أن الرغبة في خدمة الأهالي صفة يتميز بها جميع مسؤولي البلاد، ولاسيما المسؤولين رفيعي المستوى والكبار. وطبعا فإن إمكانات المسؤولين متفاوتة، فبعضهم يتمتع بامكانات أكبر والبعض الآخر يتمتع بطاقات أقل، ولكن الجميع يتميزون بالعزم الراسخ على تقديم الخدمات لأبناء الشعب. والمهم هو أن نظام الجمهورية الإسلامية قائم على أساس إرادة ورغبة وتطلعات وحب الجماهير الشعبية. لقد اختار الشعب المسؤولين بكامل حريته وإرادته، ثم إنه يختبر أداءهم ويتابع نشاطهم، ويصدر حكمه، ويقرر ما يترتب على ذلك من آثار.

وأما النقطة الثانية فهي أن نظام الجمهورية الإسلامية وهذا البلد العزيز والكبير والغني بموارده الطبيعية واجه العديد من التهديدات وكان أمامه الكثير من الفرص في إطار التطورات العالمية، ومازال. ولكن الموضوع الذي يحظى ببالغ الأهمية عند المسؤولين هو الاستفادة من كل الفرص المواتية من أجل تقدم البلاد مادياً ومعنوياً مع الحفاظ على كرامتنا الوطنية.

إن هدف الجمهورية الإسلامية لا يتوقف عند مجرد استعراض إنتاجنا الوطني غير المكتمل بالأعداد والأرقام وإظهاره في إحصائيات عالية. فهذا لايكفي. إننا نعتقد بأنه لابد من إرساء قواعد العدالة في المجتمع وتوزيع الثروة بالتساوي بين جميع المواطنين، فذلك طموحنا الأكبر، ولسوف نبذل أقصى مابوسعنا من أجل تحقيقه.


ضرورة إرساء العدالة والسلوك الأخلاقي
إن فلسفة نظام الجمهورية، كما يريد الإسلام من المسؤولين والمواطنين والشعوب، هو السعي لتحقيق العدالة ونشر السلوكيات الأخلاقية في المجتمع، أي الاهتمام بالبعد الروحي وكذلك بالبعد المادي للحياة. ومثل هذا الأمر، مع أنه عظيم ومقدس، لايخلو من الصعوبة والعراقيل. وان كافة مساعي الجمهورية الإسلامية خلال الأعوام الخمسة والعشرين الماضية كانت منصبة على بلوغ هذا الهدف الرفيع.

إنهم لمخطئون أولئك الذين يسيرون في اتجاه معاكس متغافلين عن العدالة. وإن تجاهل المعنويات لمن الأخطاء الفاحشة. كما أن الذين لايقدّرون انجازات الأخرين مخطئون. وإن الذين يتناسون شعبية المسؤولين هم أيضاً مخطئون، إن الطريق ليس ممهداً دائماً لبلوغ الآمال الكبرى، بل أنه محفوف بالعراقيل والعقبات الكأداء، وهو ما ينبغي أخذه بالحسبان.

إننا لايمكن أن نُرضي أنفسنا بالكلمات والخطب والإتكاء على أريكة السلطة ـ أو على سُدّة الحكم حسب التعبير الشائع ـ دون التفكير في وضع ومستقبل البلاد والعمل على التقدم المادي والمعنوي، فهذا لا يصح. إن النظام الإسلامي يطالب المسؤولين بوضع أنفسهم ومحاكمتها أمام الله تعالى دون الأخذ بالاعتبار ما إذا كان الناس يفهمونهم أم لا أو أنهم يثنون عليهم أم لا. فكل هذا يأتي بالدرجة الثانية. وأما ما هو مهم بالدرجة الأولى فهو أن يشعر المسؤولون بالمسؤولية أمام الله تعالى في تقديم الخدمات للمواطنين وإقرار العدالة في المجتمع. وإن تقديراتنا تدل على أن نظام الجمهورية الإسلامية قد أنجز الكثير على هذا الطريق خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية. ومع ذلك فاننا لا نزعم بأننا بلغنا أهدافنا المنشودة جميعا، كلا، فما زال علينا أن نعزز السير ونبذل المزيد من الجهود، ولكننا ندّعي في الوقت ذاته بأن نظام الجمهورية الإسلامية حقق الكثير من الإنجازات في هذه المسيرة.

إن ثقة الشعب الإيراني بنفسه وكذلك طموحاته قد ازداد بشكل ملحوظ في مرحلتنا هذه قياساً بما سبقها من مراحل، وإن طموح وحيوية الشعب الإيراني العظيم هي من ثمار الإسلام والثورة. ونحن نثمن كل ذلك ونتخذه دعامة ومسنداً في سبيل تقدمنا على طريق تحقيق أهدافنا السامية.

أهمية الانتخابات القادمة
إن موضوع الانتخابات القادمة لمن المواضيع الحائزة على بالغ الأهمية لدى جماهيرنا الشعبية، كما أنه من المواضيع الراهنة في عامنا هذا والتي أعلق عليها الأمل الكبير. فالانتخابات القادمة كمثيلاتها من الانتخابات السابقة خلال الأعوام الخمس والعشرين الماضية، هي من أهم قضايا البلاد في فترة إجرائها. إن إجراء الانتخابات على النحو الصحيح من شأنه أن يكون ضمانة لمستقبل البلاد وأمنها في الوقت الحاضر.فما هي الانتخابات النزيهة؟ إنها تلك الانتخابات التي تتميز بالنظافة والحرية ويتم إجراؤها طبقاً للمبادئ القانونية والتي تشارك فيها الجماهير بحماسة ونشاط معتبرة إياها واجبا دينيا يجب عليها القيام به على أفضل وجه. وهذا النوع من الانتخابات بالمعنى الحقيقي للكلمة هو ما سيؤدي إلى تشكيل مجلس للشورى " برلمان) على وفق ما يتمناه أنباء الشعب في هذا البلد.

إن مجلس الشورى يتمتع بمكانة شامخة للغاية، فهو بيت الشعب، ومجلى كرامتنا الوطنية، وبمقدوره إبراز عزتنا الإسلامية والوطنية أمام العالم وتوفير كافة ما نطمح إليه من المصالح العامة. فبقوانين المجلس يكون بوسع المسؤولين الحركة والانطلاق نحو الأمام. وإن من شأن المجلس أن يكون حافظاً للأمن القومي وأن يمثل مانعاً قوياً في وجه كل من تسول له نفسه الاعتداء على بلادنا من الأعداء والأجانب الطامعين. وهذه هي خصوصيات المجلس المطلوب. فعندما تشارك الجماهير في الانتخابات وينتخب المواطنون الأصلح من بين المرشحين بكل دقة وبصيرة، فان المجلس سيكون باستطاعته حينئذ القيام بمثل هذا الدور العظيم. إن المجلس ـ وكما قال الإمام ـ هو عصارة فضائل الشعب. وعندما يزداد عدد المشاركين في الانتخابات فإن قيمة المجلس وإنجازاته ستكون هي الأخرى في ازدياد وسيكتسب المجلس قوته وقدرته في تقديم المزيد من الخدمات لأبناء الشعب.

إن هناك الكثير مما يقال حول الانتخابات والمجلس، ولكنني سأكتفي بهذا القدر الآن. غير أن هناك شيئاً أود قوله لكم وهو أن من تنتخبونه من المرشحين للمجلس ينبغي أن تتوفر فيه هذه الخصوصيات حتى يستطيع تلبية متطلباتكم. فالنائب في المجلس لابد وأن يكون متدينا. وذلك لأن المتدينين أناس يمكن الثقة بهم والاعتماد عليهم. ولابد أيضاً أن يكون ثورياً ومتمتعاً بالروح المعنوية العالية والنشاط والأمل والقوة والروح الثورية حتى يستطيع تمهيد السبل التي قد تكون وعرة ومواصلة السير إلى الأمام. كما ينبغي أن يكون خدوماً، مجرّبا، متمتعاً بالكفاءة، ولديه خطط ومشاريع، حسن السمعة، ومحبّاً للشباب ومؤمنا بهم وبطاقاتهم الخلاقة. فكل من يرى في نفسه هذه الصفات يجب عليه الشعور بالمسؤولية وترشيح نفسه للانتخابات. وخلال ما تبقى من أيام ينبغي على كل من يجد في نفسه الكفاءة أن يستجيب لضميره الإسلامي والوطني ويتوجه فوراً لترشيح نفسه قبل انتهاء المدة المحددة.

فإذا ماوجد من هو أعلى كفاءة فيما بعد، حينئذ يمكنه التخلي له عن موقعه، ولكن ما يجب عليه الآن هو الحضور في الساحة. وعلى الجماهير أن تدفع كل من يتمتع بهذه الصفات أينما كان لترشيح نفسه للانتخابات. إن صلاح ومستقبل البلاد منوط بأن تكون الانتخابات على قدر عال من الحيوية وأن تستقطب رغبة وحضور كافة فئات الشعب.


إن الشعور بالأمل ينتابني في أن الجماهير سيكون لها حضور فاعل وواسع في هذه الانتخابات إن شاء الله ورغم إرادة الأعداء. وبالطبع فان أعداء البلاد والشعب لا يتمنون أن تجرى انتخابات موفقة في بلادنا كما كان ديدنهم. ففي أغلب الانتخابات كان أعداونا يكيدون كيدهم للحيلولة دون إجراء انتخابات ناجحة ومتألقة. وكان بعض أذيالهم هنا في الداخل يتوسلون بما لديهم من أساليب لتقليص عدد المشاركين في اقتراحات الرأي. وأما الآن، ونحن نجد الجو العام في البلاد مهيئا للمشاركة الواسعة وأن المسؤولين متفقون على وحدة الكلمة في دعوة الشعب للإدلاء بصوته في الانتخابات فان الأعداء وأنصارهم في الداخل يخشون من تثبيط همة الجماهير بالأساليب المباشرة خوفاً من الرأي العام والأجواء العامة السائدة في البلاد، ولكني أحيطكم علماً بأن أعداء البلاد والشعب الذين تسوءهم سعادتنا ورفاهيتنا والذين لا يريدون الرفعة والتقدم للشعب الإيراني ونظام الجمهورية الإسلامية لن يألوا جهداً في بذل شتى مالديهم من جهود بغية إثناء الجماهير عن الحضور في ساحة انتخابات مجلس الشورى الإسلامي وغيرها من الساحات الأخرى .ومن المؤكد أنهم أصيبوا بالخيبة والفشل فيما مضى، ولن يكون نصيبهم إلاّ الهزيمة والخسران في المستقبل بإذن الله.

تجلي أحقية شعارات الثورة الإسلامية
إن من المهم جداً لجماهير شعبنا، ولاسيما لشبابنا، أن يلقوا نظرة على شعارات الثورة، وان يدرسوا بعناية مواقف نظام الجمهورية الإسلامية، ثم ينظروا إلى الأجواء العامة في العالم من حولهم، وعندئذ سيكتشفون أن صوت الجمهورية الإسلامية ونداء الثورة الإسلامية يشق طريقه تدريجياً لإيجاد أذن صاغية إزاء تعجب الأعداء ودهشتهم.

لقد أطلقنا الكثير من الشعارات قبل خمسة وعشرين عاما، ولم يكن ثمة من يصدق ما نقوله، ولكن العالم يرى هذه الشعارات رأي العين الآن وقد باتت ظاهرة ومشهودة. فلقد كنا نصيح قائلين بأن أمريكا ناهبة ومعتدية وتطمح لفرض سيطرتها على الشعوب، وكانت وسائل الإعلام العالمية المتنفذة والعميلة لأمريكا توظف أبواقها لرفع شعارات الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ولم يكن الكثيرون في البلدان الإسلامية بقادرين على إدراك فحوى رسالة وشعارات الثورة والنظام الإسلامي، ولكنه اليوم، وبعد أن شاهدوا ما تتخذه أمريكا من مواقف حيال قضايا العالم، باتوا يصدقون ما كنا نقول ويؤمنون به. إن تجاهل حقوق الشعوب، والتنكر للحدود الجغرافية للدول، واجتياح شتى مناطق العالم بذريعة تلك المصالح اللامشروعة ـ بما في ذلك الخليج الفارسي, والمحيط الهندي، وبلدان الشرق الأوسط، وبلدان آسيا، وحتى أوروبا ـ قد باتت جميعاً من الممارسات الواضحة التي تشهدها كافة شعوب العالم اليوم، وهو ما كانت ترفعه شعارات الثورة الإسلامية وتطلقه جماهير الشعب الإيراني على مدى السنوات الماضية.


سقوط القناع الأمريكي القبيح
إن القناع قد أخذ ينزاح تدريجياً عن ذلك الوجه القبيح لوسائل الإعلام المزيفة، وراح الواقع الأليم يتبدى أمام العيان في شوارع بغداد وغيرها من المدن العراقية، وفي مناطق أفغانستان المختلفة، وسواها من الكثير من أرجاء العالم. إن الشعب الإيراني لم يكف عن إطلاق الشعارات المعارضة لإسرائيل منذ خمسة وعشرين عاماً، محذراً من المشاريع الاستسلامية والخادعة التي يتشدق بها الصهاينة. واليوم فان جميع شعوب العالم الإسلامي والعربي تشاهد بجلاء ذلك الواقع الأليم والفجائعي في فلسطين. إن حكام الكيان الصهيوني الغاصب قد وضعوا تحت أقدامهم كل ما أعطوه للحكومات العربية والأطراف الفلسطينية من عهود ومواثيق، وضربوا بكافة المعاهدات والقرارات عرض الجدار، وتنكروا ولجميع ما عليهم من التزامات دولية، وبهذا توصلت بقية الشعوب إلى صدق شعارات الشعب الإيراني وفي مرحلة الحرب المفروضة التي شغلوا بها الشعب الإيراني على طول ثماني سنوات، وبعد انتهاء تلك الحرب، كان الشعب الإيراني يرفع عقيرته بالقول أن صدّام البعثي ليس سوى مخلوق مفسد وحيوان وحشي في صورة إنسان، ولكن هؤلاء الأمريكيين الذين يسبّون صدّام اليوم ويشعرون بالغبطة للقبض عليه، كانوا يدعمونه ويمدونه بالمساعدات ويوثقون معه عُرى العلاقات! وهذا هو وزير الدفاع الأمريكي الحالي كان قد التقى بصدّام في بغداد حينذاك ووعده بالدعم والمساندة. لقد أغرقوا صدام بالمساعدات حتى يستطيع الضغط على الجمهورية الإسلامية في إيران. لقد كان الكثيرون من البلدان العربية ودول المنطقة لا يعرفون هذا المخلوق الجائر على حقيقته، ولكن الشعب الإيراني كان قد خبره ووقف على طبيعته الشريرة هو وحلفاؤه الدمويون في ميادين الحرب والقصف الوحشي للمدن والمدنيين وفي حلبجة و آبادان ودزفول، وكشف عن وجهه البغيض أمام العالم. وها هو العالم قد أخذ الآن يدرك كل هذه الحقائق، ويكتشف أحقية الشعب الإيراني وصدق شعاراته.

سقوط صدام عبرة للجبابرة من الحكام
أيها الأعزاء..! إن العالم والتاريخ مليء بالعبر والمواعظ. لقد وصل الأمر اليوم بصدّام حسين الظالم الفتاك المستكبر المتكبر لأن يقبع في جحر متحملاً العار والشنار في سبيل الحفاظ على حياته القذرة الدنيئة. واليوم وقد ألقي القبض عليه، فان العالم الإسلامي وكل من كان يعرف هذا الحيوان المفترس على حقيقته أخذوا يتنفسون الصعداء ويشعرون بالفرح والسرور. إن الشعب الإيراني ـ وخصوصاً عوائل الشهداء ـ قد شعر بالغبطة والفرح الشديد عندما تناهى إليه نبأ القبض على صدّام. لقد لاقى الشعب العراقي الويلات العظام على يد هذا الذئب الدموي، ويبدو أنه الآن تخلص من شره وسطوته. ولقد سمعت بأن الرئيس الأمريكي قد خاطب صدّام قائلاً: إن العالم أفضل كثيراً بدون صدّام. ولكنني أريد أن أقول للرئيس الأمريكي: وإن العالم أيضاً أفضل بكثير جداً بدون بوش وشارون...!

إن الذين يظنون بأن سلطتهم دائمة وأبدية عليهم أن يعتبروا بمصير صدام حسين ومحمد رضا بهلوي وحكومة الاتحاد السوفيتي السابق، وليعلموا كيف أن السلطات الكارتونية ليست سوى أشباح، وكيف أن الله سبحانه وتعالى يقضي عليها ويبيدها، وكأنها لم تكن.

إن الذين يبسطون سلطانهم اليوم على العالم البشري باستبداد وديكتاتورية وهم يرفعون شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان ـ كالرئيس الأمريكي ـ وإن الذين يمارسون ضغوطهم بقسوة ووحشية على مواطني بلد دون أن يكون لهم أدنى حق في أراضي ذلك الوطن ـ كالحكام الصهاينة الذين يقمعون أبناء الشعب الفلسطيني ويوسعونهم تعذيباً وقتلاً وإبادة ـ عليهم أن يعلموا جميعاً بأن مصيرهم لن يكون بأفضل من مصير صدام حسين.

لقد نهضت الشعوب. وإن الأمة الإسلامية تزداد يقظة يوماً بعد أخر. وإن تطلعات الأمة الإسلامية طيبة ومشروعة. إن الأفق يشع بالأمل، وإن الشعب الإيراني سيظل دائماً في الطليعة، وسيكون باستطاعته أن يقدم للشعوب الأخرى نموذجاً يقتدى به إن شاء الله وذلك بفضل سلوكه وحركته.

إنني أتقدم لكم بوافر الشكر والامتنان أيها الاخوة والأخوات ويا أهالي قزوين الطيبين المؤمنين الكرماء. أشكركم جميعاً على حسن استقبالكم وعلى ما أبديتموه من حب عميق وصادق لا نظير له بين أبناء الشعوب الأخرى. إن الحب الشديد الصادق بين المسؤولين والشعب صفة نادرة تختص بها الجمهورية الإسلامية. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا أهلاً لما في قلوبكم من حب ومودة.

إنني أدعو الله تبارك وتعالى أن يمنّ علىّ وعلى جميع مسؤولي البلاد بالتوفيق للمزيد من الخدمة والعطاء لهذا الشعب، وأن يجعل هذا الشعب شامخاً ومرفوع الرأس في شتى العرصات والميادين، وأن يتلطف عليكم بفضله ورحمته ونعمته بما أنتم أهل له يا شباب ويا أهالي قزوين الشرفاء.

اللهم صُبّ على أعداء هذا الشعب النكائب واليأس والثبور، وتفضل عليه بالنصر يا إلهي في كافة الساحات والميادين، إنك على كل شيء قدير.


 

  والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته