نداء ولي أمر المسلمين الإمام آية الله العظمى السيد علي الخامنئي (دام ظله) إلى حجاج بيت الله الحرام

بتاريخ 5 ذي الحجة الموافق 6-2-2003

وجه الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي (دام ظله) ولي أمر المسلمين وقائد الثورة الإسلامية نداءاً إلى حجاج بيت الله الحرام فيما يلي نصه:

بسم الله الرحمن الرحيم

مشهد اجتماع ملايين المسلمين في الحج ظاهرة فريدة مدهشة، جموع من كل الشعوب الإسلامية، ومن كل فج عميق، ومن مختلف الانتماءات الاجتماعية تحفل هذه الأيام المعدودات في بيت الله ومولد الإسلام ونبيه الكريم وتؤدي مناسك مفعمة بالرموز والأسرار.

في هذه الشعائر الطافحة بالمعاني والعظمة تتلقى الشعوب المسلمة عملياً وبصورة مجسدة متحركة دروساً في إنشداد قلوبهم برب العالمين، وتآلف قلوبهم مع بعضهم، والحركة حول محور التوحيد، والتحرك الجماعي في المساعي والجهود، ورمي الشيطان والبراءة من الطاغوت والذكر والتضرع والخشوع أمام الله سبحانه، واستشعار العزة والعظمى في كنف الإسلام.

وتتجسد في إطار مناسك الحج معاني الود والألفة والتعايش مع الأخوة والصمود والصلابة تجاه الأعداء، والتحرر من أغلال الذاتية والأنانية، والاتصال ببحر العزة والعظمى الإلهية.

أن الحج مظهر الأمة الإسلامية ومدرسه ذلك السلوك الذي يجب أن تنهجه هذه الأمة الكبرى لتحقيق سعادتها، إذ يمكن تلخيص فريضة الحج بأنها حركة هادفة واعية ومتنوعة وجماعية في اتجاه موحد، ذكر الله وتآلف قلوب عباد الله يشكلان سدى هذه الحركة ولحمتها وهدفها إقامة قاعدة معنوية مستحكمة لحياة سعيدة للإنسان {جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس والشهر الحرام والهدي والقلائد...}.

الأمة الإسلامية انطلاقاً من مدرسة الحج بحاجة الآن إلى حركة هادفة كبرى في حياتها العملية وجميع الأمم بحكوماتها وشعوبها تتحمل قسطاً من هذه المسؤولية.

إن البلدان الإسلامية منيت في القرن الأخير بخسائر فادحة، الغزو الاستعماري الغربي أضر أكثر من غيره بالشعوب الإسلامية، إذ عرض ثروات الشعوب ومصادرها المادية لغزو شامل على يد الدول المستعمرة، وكانت حصيلة هذه الغارة على المسلمين الأسر السياسي والاقتصادي والتخلف العلمي والمادي، بينما عادت على المستعمرين باستغلال المصادر المادية والإنسانية المسلمة، وبازدياد ثرواتهم وقدراتهم عن طريق الغصب والظلم والحرب والعنف.

وبعد سنوات متمادية عادت الشعوب الإسلامية إلى وعيها.

حركة الصحوة الإسلامية ورايات المطالبة بالحق والتحرر في أرجاء العالم الإسلامي فتحت أمام المسلمين آفاقاً واعدة، وأخيراً فإن انتصار الإسلام في إيران وإقامة الجمهورية الإسلامية الإيرانية فيها بشر بمرحلة جديدة للعالم الإسلامي.

ومن البديهي أن طواغيت المال والقوة في العالم لا يستسلمون بسهولة أمام نداء الحق, مما يجعل الشعوب الإسلامية أمام طريق لاحب طويل شاق ولكنه مبارك ميمون, والسائرون على هذا الطريق, لو استقاموا لحرروا أنفسهم وأجيالهم القادمة من ذل التخلف والأسر السياسي والاقتصادي والثقافي, ولذاقوا طعم الحياة الهنيئة في ظل الإسلام.

إن هذا الطريق, هو طريق الجهاد العلمي والجهاد السياسي والدفاع الصلب عن الحق الواضح الصريح, المسلمون في هذه الساحة يدافعون عن شرفهم وعزتهم وحقوقهم المغتصبة.

الإنصاف والوجدان البشرى قاض متفهم حاسم يؤيد جهاد هؤلاء المظلومين, والسنة الإلهية تبشر بانتصارهم الحتمي: {أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وان الله على نصرهم لقدير}.

إن الاستكبار العالمي, وأعني الشبكة المترابطة من الكارتلات النفطية ومصانع الأسلحة والصهيونية العالمية والحكومات التابعة لها, في حالة تحرك هائج وهجوم, إذ يرى نفسه أمام خطر تصاعد يقظة الأمة الإسلامية, مظهر هذا الهجوم بأبعاده السياسية والإعلامية والعسكرية والإرهابية يتجلى بوضوح فيما يصدر من أقوال وممارسات عنيفة صريحة عن الدوائر العسكرية الحاكمة في أمريكا والكيان الصهيوني.

فلسطين المظلومة الدامية تعرض يومياً لأقسى جرائم الكيان الغاصب, والشعب الفلسطيني يتحمل كل ما يتحمل من قتل وغارات وتخريب وتعذيب وتحقير وإهانة لا لشيء إلا لأنه نهض بجرأة بعد نصف قرن بالمطالبة الجادة بحقه المغتصب.

إن الشعب العراقي إذ يتلقى اليوم نعيب التهديد بالحرب فذلك لان النظام الأمريكي يرى ضرورة التواجد في العراق للسيطرة على مقدرات هذا البلد ثم على مقدرات كل بلدان الشرق الأوسط من اجل الهيمنة على شريان النفط الحياتي ونهب ما تبقى من المصادر النفطية في هذه المنطقة ومن اجل الحضور الفاعل في جوار حدود فلسطين وإيران وسوريا والمملكة العربية السعودية.

والشعب الأفغاني إنما يعاني بجسمه وروحه خلال سنة وأشهر مضت من القنابل وأسلحة الدمار الشامل الأمريكية والبريطانية وهكذا يتحمل تدخلهم العدواني المهين فلذلك لأن أمريكا تفهم مصالحها غير المشروعة على هذا النحو.

أطماع هذه الشبكة الإستكبارية والمعادية للبشرية لا تعرف نهاية ولا حدوداً, وإذا أرادت أمريكا في نصف القرن الماضي أن تكون مطلقة العنان في بلدان أمريكا اللاتينية فإنها تريد أن تكون في نصف القرن الحالي سلطاناً ودكتاتوراً لا يحده قيد ولا شرط في جميع بلدان المنطقة الإسلامية, كلما تعده أمريكا من تخطيط وبرامج دولية هدامة إنما تستهدف تحقيق هذا الادعاء الذي يحدوه الغرور ويحدوه الحمق أيضاً.

إن أمريكا وحلفاؤها سيفشلون حتماً, وسيشهد العالم سقوط إمبراطورية مقتدرة ولكنها سكرى, تماماً كما رأوا خطأ حاسباتهم المجنونة في أفغانستان وفي فلسطين, غير أن الأمة الإسلامية ـ بدولها وشعوبها ـ إذا لم تتخذ القرار المتعقل الشجاع في الوقت المناسب فإنها ستمنى مرة أخرى بخسائر باهظة فادحة.

إن أمريكا في مرحلة تحركها الجنوني الجديد، الذي بدأ بعد حادثة 11 أيلول / سبتمبر المشكوكة، عمدت أيضاً إلى هجوم الإعلامي: أي أنها رفعت راية الديمقراطية ومكافحة الإرهاب على الرماح ورفعت عقيرتها أمام الشعوب الإسلامية في ذم أسلحة الدمار الشامل والأسلحة الكيمياوية، ترى ألا يظنون أن المسلمين قد يسألونهم: ما هي الحكومات والشركات التي وضعت هذه الأسلحة تحت تصرف النظام البعثي العراقي؟ تدعون أن تسعه عشر ألف قنبلة كيمياوية كان النظام البعثي العراقي يمتلكها في ترسانته وأن ثلاثة عشر ألف منها قد صبها على رؤوس الإيرانيين فبقيت منها ستة آلاف، وأنتم بهذا الدليل تبررون هجومكم على العراق، هذا العدد من الأسلحة الكيمياوية كيف حصل عليه النظام العراقي؟ هل هناك أحد غيركم وغير حلفائكم من هو شريك جريمة في هذه المأساة التاريخية؟ ألا تظنون أن أدعاء مكافحة الإرهاب واتهام فئة مجهولة غير مشخصة لا يستطيع أن يخدع الشعوب المسلمة التي ترى أمريكا تساند أبشع نظام إرهابي في العالم أي النظام الصهيوني؟ إن أمريكا بهذا التحرك الإعلامي الباذخ الجنوني هي اليوم في نظر الشعوب الإسلامية مظهر الكذب والدجل والخداع.

أمريكا المتكبرة والمستكبرة لم تحقق أهدافها في فلسطين وأفغانستان ولم تجن مما بذلته من نفقات مادية ومعنوية هائلة ألا الخيبة والخسران، وسوف تكون كذلك في المستقبل إن شاء الله.

تدعى أنها في العراق تستهدف الإطاحة بصدام والنظام البعثي العراقي إنها كاذبة طبعاً، هدفها الحقيقي السيطرة على الأوبك وابتلاع نفط المنطقة وتصعيد الدعم للكيان الصهيوني والتآمر عن كثب ضد إيران الإسلامية وسوريا والسعودية، لو أن أمريكا سيطرة على العراق بالحرب أو بدون حرب فإن النتيجة الحتمية الأولى هي أن الشعب العراقي وشرف هذا الشعب التاريخي وغيرته وعرضه وثرواته ستكون أول ضحايا هذا الاحتلال العدواني. لو أن هذا الشعب والبلدان المجاورة كانت على وعي فإن هذه الأهداف أيضاً سوف لا تحقق أن شاء الله تعالى.

الاستكبار يعلم أن الإسلام وتعاليمه التحررية مصدر كل ما تبديه الشعوب والحكومات الإسلامية من مقاومه، من هنا فإنه بدأ بحرب نفسيه واسعة ضد الإسلام والمسلمين، بعد حادثة 11 سبتمبر ـ التي تشير القرائن الكثيرة إلى أن المتهم فيها هي الشبكات السرية الاختراقية الصهيونية ـ سارعوا إلى وضع المسلمين والإسلام في خانة المتهمين وراحوا يكررون ذلك صباح مساء، جمع من المسلمين أيضاً من أمريكا وأفغانستان ومناطق أخرى أسروهم ودفعوهم إلى السجون وزنزانات التعذيب الرهيبة، لم يثبت إطلاقها اتهام هؤلاء الأفراد ولم يقبض الأمريكيون على المتهمين ذوي الأسماء اللامعة، لكن الحرب النفسية ضد الإسلام والمسلمين لم تتوقف ويبدون أنها لن تتوقف في القريب العاجل.

إن الإسلام دين الحرية والعدالة والمطالبة بالحق، سيادة الشعب الحقيقية هي السيادة الشعبية الدينية التي يدعمها الإيمان والمسؤولية الدينية، وهي كما نراها في إيران الإسلام أكثر اطمئناناً ومصداقية وشعبية من ديمقراطية أمثال أمريكا.

الديمقراطية التي تدعيها أمريكا وتريد أن تقدمها إلى شعوب العالم الإسلامي والعربي لا تقل كوارثها عن رصاصهم وقنابلهم وصواريخهم.

لو أعطانا العدو تمرة واحدة فلا يمكن الثقة بأنها غير مملوءة بالسم الزعاف.

الأمة الإسلامية في أفريقيا والشرق الأوسط وغرب آسيا قد جربت ذلك مراراً حتى في هذه السنوات الأخيرة.

إن الأمة الإسلامية في مثل هذه الأوضاع الحساسة والخطيرة تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى أن تستلهم الدروس من مدرسة الحج: حركة نهضوية هادفة وواعية ومتنوعة وجماعية في اتجاه الأهداف القرآنية وعلى صراط الإسلام المستقيم..

قال تعالى: {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت, فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفاً}.

وقال تعالى: {وقال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا أن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين} وصدق الله العلي العظيم.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته