كلمة الامام
الخامنئي دام ظله لدى لقائه اساتذة وطلبة جامعة الشهيد بهشتي
بتاريخ:
11-5-2003
الجامعات بين
الواقع والطموح
بسم الله الرحمن
الرحيم
لقد طُرحت أمور
بناءة ومفيدة
نظراً لأن الفرصة لم تسنح لبعض الأعزة للإدلاء بآراءهم فإنني آسف مثلهم
أيضاً، وكان أكثر فائدة بالنسبة لي لو قُدر للجميع الحديث. على أية حال لقد
استفدتُ وانتفعت بالأمور التي طرحها الأخوة الذين كانوا قد حصلوا على فرصة
للحديث حيث طُرحت امور جيدة ومفيدة .
لقد عجبت كيف ان أياً من السيدات لم تتحدث، فمن المتعارف في مثل هذه الجلسات
ان تتحدث عدة من السيدات، ولكن كما اتضح ان السيدات لم يكن قد اخذن وقتاً. اذ
كان تنظيم الامر ومساره ـ وهذا ما كان قرره الدكتور نديمي وزملاؤه ـ ان
يأخذوا وقتاً كي يتحدثوا. على آية حال لم يتحدثن الاخوات، ان الكثير من
مطالبكم هي جزء من مطالبنا.
لقد دونت ما أدليتم به ايحاز، فكانت الكثير من المطالب التي وردت في كلماتكم
مما نطالب به نحن وندعوا له، وبطبيعة الحال فإن قضية الميزانية ـ على وجه
التحديد ـ والمصاعب المالية التي تعاني منها مختلف المرافق، تعد قضية منفصلة
لا بد من التفكير بها بشكل أساسي وعلى وجه افضل نظراً للمشاكل التي تواجهها
الحكومة والمسؤولين وشحة المصادر المالية، وهذا محله الحكومة.
طلب مني أحد الأعزاء في كلمته ان اتخذ اجراء فورياً! وانني اقول لكم بأنني لا
أتمكن من اتخاذ اجراء فوري أو غير فوري فيما يخص الميزانية، فما استطيع
القيام به في مثل هذه المجالات التنفيذية هو ان انقل المطالبات الى السادة
الوزراء ـ وهم حضور هنا ـ أو ان تحدث مع السيد رئيس الجمهورية ليناقشوها
ويتخذوا القرار بشأنها في الحكومة، فلا شأن لنا بعملية تدوين الميزانية أو
منحها أو تقليلها أو زيارتها، وعلى أية حال لقد كان هؤلاء الاعزة ـ الدكتور
معين والدكتور بزشكيان ـ حاضرين وسمعا ما قلتم، وهما عضوان في الحكومة،
وبطبيعة الحال هنالك قيود في الحكومة ومشكلات تعاني منها، وليس الأمر في ان
لهم القدرة على العمل وتنفيذ كل ما يرون فيه المصلحة .
حسناً، ان ما طرحتموه جانب من احتياجات البلاد، كما ان لكل من الحقول الأخرى
احتاجاته التي يطرحونها امام السادة الوزراء والحكومة، وهي ليست بهذه السهولة
ولكن من الممكن متابعتها على آية حال.
الاهتمام بالعلم والتحقيق وتنظيمهما:
المهم في اعتقادي هو الأمر الذي أشار إليه بعض الاصدقاء وهو النظر الى العلم
والتحقيق وتنظيم وضع العلم والتحقيقات في البلاد، وهذا عمل ستراتيجي يتحتم
إبداء اهتمام جاد ازاءه، ومن المتيقن انني اتحمل مسؤولية بهذا الشأن وسوف
أتتبعها.
نعم، فالعلم مهم ومن بين
العوامل التي تضاعف قيمة العلم هو ان يكون للعلم هدف، وان يتحرك العلم باتجاه
التقدم والتطور بأهداف محددة جرى تنظيمها وفقاً
للمتطلبات، وبإمكان ذلك الجهاز الفكري ـ الذي أشار إليه السيد رفيع بور وكانت
إشارته صحيحة تماماً ـ تنظيم المجاميع المنتجة للعلم والاستثمار الأمثل لشخص
العالم والدرس الذي يصنع العالم والمراكز الذي يتسنى للعالم العمل فيه، وهذه
أعمال واجبه يجب تتبعها، وانني سأبذل ما أمكن من مساع في هذا المجال بعونه
تعالى.
التطلعات والطموحات نحو المنظومة العلمية في البلاد:
وفي مقابل ذلك هنالك طموحات وتطلعات من المنظومة العلمية في البلاد، وليس هذا
خطاباً موجهاً لشخص معين او جامعة معينة أو مركز معين، بل هو خطاب موجه
للمنظومة العلمية في البلاد ـ ارباب العلم والتحقيق في البلاد .
إننا ولأسباب تاريخية واضحة تأخرنا عن قافلة العلم في العالم ـ وهذا ما لا
قدرة لنا على انكاره بل هو حقائق تواجهنا ـ في حين ان القدرة على التحول الى
العلم وانتاج العلم، وتوسيع حدود العلم اكثر مما هي عليه، كانت كامنة في
شعبنا وبيتنا، انه لظلم تارخي اقترف بحقنا، ان ما تشاهدونه اليوم من تطور في
العلم وتوسعه ورواجه، وحب العلم وبالتالي طرح العلم بصفته قضية اساسية في
المجتمع، انما هو يعود لمرحلة ما بعد الثورة، فلقد كان العلم مهجوراً، كانت
هناك جامعات وعلماء، ولكن لم يكن العلم محسوباً من قضايا البلاد بالمعنى
الحقيقي للكلمة. هكذا كان الحال على مدى سنوات طوال حيث تأخر شعبنا عن قافلة
العلم.
اننا نريد تلافي التخلف العلمي
اننا نريد الآن تلافي هذا التخلف والتأخير التاريخي بأي نحو كان، فما علينا
ان نصنع؟ اذا ما نظرنا نظرة عادية وحسابات عادية نرى ان الفجوة كبيرة، وان
الواسطة التي يتحرك بها ـ العلم ـ اسرع من واسطة تحرككم، اذن يفترض ان تزداد
الفجوة يوماً بعد يوم. ونحن محكومون بهذا. فهل هذا صحيح؟ علينا ان نواصل ذات
الطريق الذي سلكه، ونحن نعتقد بوجوب مواصلته، فهو قد سلك هذا الطريق وعلينا
نحن ان نمضي قدماً، فالطريق سالك، بيد ان مسافة بعيدة تفصلنا عنه، ولقد قلت
ذات مرة للاصدقاء في احدى المحافل الجامعية: لقد كنا نسير فأخذ هو دراجة
هوائية وضاعف الفاصلة عني، ثم انه ولأجل ان يقطع مسافة طويلة فقد حصل على
سيارة واستخدمها لكنني حصلت للتو على دراجة هوائية! وهكذا ازدادت المسافة.
انه وصل الآن من خلال واسطة نقل سريعة فهل اجلس لأشاهد غبار مسيرته؟ أم أحزن
واتحرق متحسراً على هذا التقدم؟ مالذي علينا أن نصنعه؟ لنبحث عن طرق متوسطة
المدى في انتاج العلم.
ان حركة انتاج العلم ـ التي ما فتئْتُ اكررها في الجامعات منذ سنتين او ثلاث
ـ تصبوا الى هذا الأمر وهو ان انتاج العلم انما يعني سلوك طرق يبدو انها لم
تسلك، وهذا بطبيعة الحال لا يعني ان لا نسلك الطرق التي سلكها الآخرون ونهمل
تجارب الآخرين، كلا بل يعني ان نفكر بذلك، فهنالك في هذا العالم الكبير وهذه
الطبيعة الرحبة الكثير من المجاهيل التي لم يصلها العلم المتطور المعاصر بعد،
أي هنالك احتمال كبير بأنها تفوق بكثير الامور التي توصل إليها الانسان لحد
الآن. فعلينا ان ندقق ونفكر ونسعى لاكتشاف المجاهيل، وعلينا ان نفعل المواهب
التي جرى الحديث عنها وانني لأعرف ايضاً ان الايراني والعقل والفكر الايراني
يتمتع بها.
فلنبحث عن طرق متوسطة المدى ولا نخشى الابداع والابتكار في وادي العلم. ويجب
اعتبار هذه الحركة وهذا الاندفاع في جامعاتنا ومحافلنا العلمية والتحقيقية
اندفاعاً عاماً وامراً مقدساً وعبادة، وتتبلور بهذا الطابع في كافة المرافق،
في العلوم الانسانية وفي كافة الفروع العلمية. فيجب ان نتحلى بالجرأة على
اننا نفكر وقادرون على الابداع.
من الممكن العثور على طرق لم تسلك بعد ازاء هذا الكلام يمكن القول آيسين: ما
الذي نصنعه بحيث لم يصنعه الآخرون؟ وأي طريق نسلك؟ لكنني اعتقد بامكانية
تغذية هذه الفكرة وهذا الأمل في القلوب بأنه: من الممكن العثور على طرق غير
سالكة، ففي يوم كانت الكثير من الامور التي يعرفها العالم وتعرفها البشرية
اليوم، مجهولة، فتجرأ أناس وعرفوا هذا المجهول، فما الدليل على اننا نعجز عن
اكتشاف مجهول آخر؟ فليس كل اكتشاف جديد يحتاج الى اكتساب ارفع العلوم واعلى
التقنيات كي نقول اننا لا نمتلكها ـ هذا هو الطموح من الاسرة العلمية،
وبطبيعة الحال كلما تزايدت منظومة المراكز التحقيقية في الجامعات وخارجها فهو
الافضل، وانني اتقبل الاشكال الذي اثاره صديقنا العزيز من ان الاموال تنفق في
بعض الاماكن بشكل عفوي ـ وهي تهدر في واقع الأمر وهذا تعبير صحيح تماماً ـ
وتحدث تلاعبات لا طائل منها ولا مبرر لها، وفي المقابل تحصل الكثير من
المصاعب المالية في موارد ضرورية. انني اعترف بذلك ويجب اصلاح هذه المشاكل،
وهذا من مهمة الحكومة بطبيعة الحال وعلينا التوصية والتأكيد وانني سوف أؤكد
عليها ان شاء الله.
بناء على هذه فإن كلامنا الاول والاساس موجه اليكم ايها الاساتذة المحترمون
والى الاسرة العلمية ـ سواء في الجامعة الطبية أو غيرها ـ فنقول: بصفتكم اناس
تتمتعون بمواهب وقدرات علمية جيدة ـ لكنكم متخلفون عن ركب العلم ـ فابحثوا عن
طريق وأحيوا في الجامعات حالة وروح البحث والتحقيق وتحرّي الامور المجهولة
(كم ترك الاول للآخر) فهنالك الكثير من الاشياء لم تكشف بعد، وقد يفاجأنا شخص
ما باكتشافها، وقد قلت ان الإكتشاف ومعرفة طريق جديد لا يتوقف بالضرورة على
ان نمتلك تقنيات متطورة من الطراز الاول ـ أي احدث التقنيات ـ في العالم كي
يقول قائل اننا لا نمتلكها، كلا فبالامكان توقع ذلك في مختلف المرافق من
ذواتنا ومن الاسرة العلمية .
هذه مسألة:
املأ الفراغ في العلاقة بين الاستاذ والطالب والمسألة الاخرى تتعلق بالطلاب
فانني اشاهد هوة في العلاقة بين الاستاذ والطالب وهذه الهوة يجب ان تسد على
ايديكم، فبامكان طالبنا وهو يتعلم العلم في الوسط العلمي، ان يتعلم ويستوعب
من الاستاذ الكثير من الدروس فيما عدا ذلك العلم الذي يرومه ومن بين ذلك:
العنفوان الوطني لدى الطالب، حب الوطن، التعلق بمستقبل البلاد، الاعتزاز
بتاريخ البلد وماضيه، فهذه عناصر بامكانها ان تترك آثاراً عميقة وايجابية
للغاية في روح الطالب الشاب، ولست هنا بصدد انكار العوامل المختلفة التي من
شأنها زرع الفتور أو الاحباط في نفس الشاب فهي عوامل لها محلها، ولكن علينا
ان لا نغفل ان بامكان الاستاذ ان يصنع داخل الصف طالباً متديناً ملتزماً
بدينه، مثلما بامكانه تربيته ملحداً منكراً لكافة المقدسات، حتى وان كان
الدرس درس علم وليس درس دين فبامكان الاستاذ أن يصنع في درس الفيزياء أو
العلوم الطبيعية أو التاريخ أو أي درس آخر، انساناً متعلقاً معتزاً ببلاده
ويتمتع بمثل هذه الروحية، وبامكانه ايضاً تربية انسان لا أبالي لاعلاقة له
بوطنه وبماضيه ومستقبله. ان الاستاذ له القدرة على النهوض بهذا الدور داخل
الصف.
الآثار العميقة لملاحظات الاستاذ داخل الصف:
انني اعتقد ان اكثر الآليات تأثيراً في مجال التبليغ للدين والتي بمقدورها
تربية طالب متدين وعاشق للقواعد الدينية هي تلك الملاحظات والكلمات التي
يلقيها الاستاذ أمام طلابه، فقد تترك ملاحظة من الاستاذ آثاراً عميقة في
القلب احياناً، وقد يشاهد عكسها ايضاً، وهنالك بعض الاساتذة على معرفة بهذه
الامور ولكن يجب ان توضع في الحسبان على انها مهمة اساسية وجوهرية، فهذا
الشاب الذي ترومون ان تخلقوا منه عالماً تنبض في داخله روح العلم والتحقيق
وتجعلوا منه نخبة علمية مرموقة ـ وهذا ما يتمناه كل استاذ لطالبه ـ يجب أن
تغذّوه بروح الدين والايمان الايمان بالله والدين والمقدسات الذي ينفعه لدينه
وآخرته وكذلك الايمان بهويته الوطنية والتاريخية، وبتاريخه وترابه.
اثيروا الحمية الوطنية لدى الطالب:
عليكم ان تثيروا الحمية الوطنية لدى الطالب، فالحمية ـ وخلافاً لما يتبادر
للاذهان ـ ليست مفهوما ً سلبياً وسيئاً على الدوام، فحالات التعصب الضرورية
يطيش الانسان بدونها ويتحرك كالفراش المبثوث وسط الرياح، والالتزامات ضرورية
لشخصية الانسان وهويته مهما كان هذا الانسان عالماً أو صناعياً او محترف لأي
عمل آخر، فهناك التزام يلزمه.
تأثير الايمان بالغيب:
ان الايمان بالله والدين والايمان بالمقدسات والايمان بالغيب قيم ليست
بالهينة وينبغي عدم الاستهانه بها اذ ان لها بالغ الأهمية وهي التي تكفل
السعادة والصلاح والفلاح، فربما هنالك من يؤمن بالغيب لكنه يعاني من عشرة
شبهات، فمثل هذا الانسان لا ينال التقدم.
ان الحديث يدور حول تأثير الايمان بالغيب، فلولا الايمان بالغيب لبرزت الكثير
من المشاكل، وكما تعلمون بأنه لا شك في ان العلم اساس الحضارة لكنه ليس شرطاً
كافياً لحضارة سليمة، فعاقبة العلم دون ايمان بالغيب هي ما تشاهدونه في
العالم اليوم. انظروا الى ماذا تبدل العلم اليوم على ايدي ناهبي العالم
والمجانين الدوليين بالرغم من تطوره وقيمته. فلا اعتبار عندهم لأي حق للانسان
ولا حق للشعوب ولا للحقيقة ولا يقيمون وزناً للصدق! هكذا يغدو العلم دون
الايمان بالغيب. ان الايمان بإمكانه ان ينبض في قلب الشاب، الايمان بالدين
وعالم الغيب وبالمعرفة والمعنويات وكذلك الايمان بهويته الوطنية وشخصيته
التاريخية وبارتباطه والتزاماته في الماضي والحاضر.
اسأله تعالى ان يوفقكم ويؤيدكم جميعاً، فقد كانت جلسة طيبة ومفيدة بالنسبة
لي، آملين ان تكون نافعة بالنسبة للجامعة ولتطلعاتنا المشتركة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
