كلمة الامام الخامنئي دام ظله لدى لقائه مسؤولي النظام والتي كان له فيها موقف حاسم

 تجاه النشاط النووي الايراني بتاريخ 1-11-2003


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا ابي القاسم المصطفى محمد وعلى آله الأطيبين الأطهرين لا سيما بقية الله في الارضين.
"يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم اعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز
فوزاً عظيماً".
انها لجلسة مهيبة ومفعمة بطبيعتها وغناها فالأيام والساعات من الاوقات التي يجب علينا حقاً ان نغتنمها. انه شهر رمضان المبارك والجلوس على مائدة الفيض الإلهي وضيافة الرحمن، والتجمع هو تجمع مسؤولي البلاد في نظام تبلور وهدفه الخدمة والجهاد من اجل رفعة المحاسن ونشر الطيبات في الدنيا "ويحل لكم الطيبات"، وتحريم المساوئ والشرور والمفاسد وتقويضها والتقليل منها، فالجمع الحاضر هم الكوادر والعاملون والموظفون وكبار المسؤولين في هذا النظام وهذه التشكيلة.
ان الكلام الجوهري والمهم ـ في نظري ـ الذي نتداوله في تجمعنا هو ان نفكر بمسؤوليتنا التي تعدّ أمراً في غاية الخطورة والجسامة وهو في ذات الوقت له قيمة ايضاً، فلنحافظ عليها ونخرج منها ظافرين وليكن هذا هو سعينا، وهذا ما لا يتيسر الا بالتزام التقوى، فاذا ما التزمنا التقوى فسيصلح عملنا وسيقدم وفقاً للشروط الضرورية وبعيداً عن الشوائب وحالات الخلل التي تنجم عن فساد العمل وسيعطي ثماره.
من شأن التقوى ان نحسن الفهم ونحسن القول والعمل، فعندم
ا يحسن المرء الفهم والعمل والقول فان النجاح حتمي ولا مناص منه، وان اكثر ما وردت الوصية به في القرآن والروايات بالنسبة للمؤمنين هي التقوى ونحن الذين نحتاج للتقوى اكثر من سائر الناس لان مسؤوليتنا ثقيلة وان جانباً ونصيباً من الاقتدار الوطني هو بأيدينا، فلولا التقوى ربما لايوظف هذا الاقتدار الذي هو ملك الشعب ويقع جانب منه في يد كل من الجمع الحاضر، في مساره وموضعه الصحيح. بناءً على هذا فان اهم قضية بالنسبة الينا هي التقوى.
عندما نوصي بالتقوى فليس معنى ذلك عدم وجود التقوى، كلا بل هي وصية بالحفاظ على هذا المكتسب المعنوي إن كان فينا وتكميله ان كان ناقصاً وتوفيره ان كان مفقوداً، وهذا هو معنى الوصية بالتقوى. كما ليس الأمر بأن الذي يوصي بالتقوى – وأنا الذي أوصي بالتقوى في هذا المجلس وصلوات الجمعة والمحاضرات والكلمات الوعظية – اقل حاجة للتقوى من الموصى. بل الموعظة والقول والوصية ضرورية، فقد يكون الموصي نفسه اكثر حاجة بكثير لهذه الوصية، لذلك فقد جاء ذكر التواصي في الشريعة الإسلامية المقدسة فحري بالجميع ايصاء بعضهم البعض. ان نتواصى بالحق والصبر والحفاظ على صراط الله المستقيم، وان لا ننحرف عن هذا الصراط.
اذا ما اردنا ابراز التقوى في حياتنا – اذ ليس كافياً الادعاء بالتقوى والتلفظ بها ولابد من التحلي بالتقوى والورع حقاً – فان اهم ميادين تجلي التقوى بالنسبة الينا نحن المسؤولون هو ميدان المسؤوليات الاجتماعية، ففيها ينبغي تجسيد التقوى، العمل بجدية من اجل اهداف الثورة، فالثورة الإسلامية ذات اهداف وشعارات وقد بُذلت ارواح طاهرة ودماء من اجل تحقيق هذه الاهداف التي تتمثل في التكامل المعنوي والمادي والرقي الاخلاقي وبلوغ البلاد والمجتمع الى تلك النقطة التي تليق بكرامة الإنسان، وبناء البلاد وتوفير مناخ يكفل تنامي المواهب وتنعم الناس بالمواهب الإلهية سواء كانت مادية أو معنوية ومن بينها الحرية والعلم والفضائل الاخلاقية، فمن اجل ذلك جاء النظام الإسلامي، من اجل بناء دنيا الناس وأخرتهم والتأثير على دنياهم وأخراهم، فلم يأت النظام الإسلام
ي ليأخذ السلطة من جماعة ويسلمها بيد جماعة آخرين – أنا وانتم – دون ان تتحلى الجماعة التي تستلم السلطة بأي التزام في قبال هذه الحركة الشعبية العظيمة.
انه لم يكن مجرد انتقال للسلطة، وان الشعب – هذا السيل العارم والبحر المتلاطم – الذي قام بهذه الثورة وحافظ عليها في مختلف الازمات ومر بها بسلام عبر كل المنعطفات الخطيرة، له تطلعاته، واننا الذين نؤمن بالإسلام نوجز هذه التطلعات في اسم الإسلام، وهذه هي الحقيقة غاية الأمر وبما تتسلط انظار الكثيرين على الإسلام نتيجة للتفسيرات والاقاويل الخاطئة للبعض، فيقع الخطأ لذلك فان للجمهورية الإسلامية شعاراتها الواضحة واستقلالها وحريتها وتكاملها المعنوي ورقيها المادي وتوفيرها الاجواء الآمنة المفعمة بالكرامة لكافة الناس، فعلينا ان نعمل ونتحرك من اجل هذه الأهداف وهنا تتجلى تقوانا.
يتعين على المسؤولين في شتى المرافق ان يكون ابهى مظهر لتقواهم هو اداء المسؤولية التي نهضوا بها وفقاً للقانون، وعلى افضل وجه دون نقص أو خلل، هذا هو الموقف على صعيد المستوى العالي لمسؤولي البلاد، وقد يقال الكثير فما يخص المستويات الوسطى او داخل هيكلية القطاعات الواسعة من مسؤولي البلاد، مما يجب ان لا يقال، فالآمال المعلقة بهم بهذا المستوى، ولكن فيما يخص كبار المسؤولين وكوادر النظام الرفيعة المستوى والمسؤولين في شتى المرافق وهم انتم الحاضرون باغلبيتكم هنا – من نواب المجلس ومسؤولي السلطة القضائية والحكومة والقوات المسلحة والمؤسسات الثورية والمسؤولين في المرافق الخاصة بعلماء الدين الذين يتحملون المسؤوليات في مفاصل الثورة. فان القضية هي ان يبذلوا اقصى الجهود والمزيد من العمل من اجل ان يؤدوا المسؤوليات الملقاة على عواتقهم على احسن وجه. فاذا ما تحقق ذلك ستزدهر حياة الجماهير وستعوض حالات التخلف في البلاد مثلما لمسنا أثر ما قمنا به من اعمال على صعيد المجتمع.
ان من اهم مواطن تجلي التقوى هو نكران الذات لدى اداء المسؤولية، على العكس تماما مما يضعه اهل الدنيا في الحسبان بالنسبة للمسؤولية، فاهل الدنيا انما يريدون المسؤوليات الحكومية وغيرها لدنياهم، فاذا ما طلبوا الرئاسة أو الإدارة أو العضوية في المجالس النيابية وما شابهها من المراكز فان ما يحظى بالأهمية في الدرجة الاولى بالنسبة اليهم هي الامور الشخصية، لذلك فهم وعلى مدى مسؤوليتهم يحتوشون نتاجها وربما يعملون على تأمينها لانفسهم لفترة طويلة من حياتهم! وهذا حساب خاطئ في ظل النظام الإسلامي البتة، فالذي يلج المسؤولية عليه ان يتجاهل مصالحه الشخصية لدى تحمله المسؤولية، واذا ما كان هذا العمل أو المسؤولية لا تنسجم مع طاقته فلا يقبل المسؤولية، ولكن اذا ما تحمل المسؤولية فان، ما يحظى بالأهمية. بالدرجة الاولى بالنسبة اليه ولا يجاريه شيء هو اداء المسؤولية وإن انتهى بضرره وخلافا لمصالحه.
لنتحمل المسؤولية بصعوباتها وهواجسها ورغم الجهد الذي يجب بذله لادائها، واذا ما حصل ذلك اذ ذاك يكون المرء ابيض الوجه أمام الله والشعب وان الجماهير لتدرك ذلك. صحيح ان الدعايات والاقاويل والصخب والترغيب والترهيب يترك آثاره في اذهان ابناء الشعب غير ان هذه الآثار ليست دائمة "فاما الزبد فيذهب جفاءً" والحقيقة هي التي تمكث، وما يستقر في اذهان الناس هو الحق والصدق، ولو اننا عملنا وتحركنا – لا سمح الله – خلافاً لالتزامنا الديني والثوري وتعهدنا في ضوء تحمل المسؤولية واستطعنا تصوير الحقيقة على نحو مغاير ولو لفترة وجيزة من الزمن فان الشعب يفهم
ذلك.
المظهر الآخر من مظاهر التقوى في النظام الإسلامي هو ان يعرف الجميع ان القوى الكبرى في العالم – ولاسباب متعددة اغلبكم يعرفها – تناصب هذا النظام العداء، اذ لأول مرة يقوم هذا النظام بزعزعة القواعد التي وضعتها الاجهزة والدوائر الاستكبارية في العالم وعلى اساسها نظمت علاقاتها معلناً عن اعتقاده بالإسلام والعدل ودفاعه عن العدالة والذود عن المظلوم في أي بقعة من العالم.
لقد ايقظ هذا النظام برفعه لراية الإسلام الشعور بالدعوة للإسلام وإحيائه من جديد لدى قطاع عريض من الجماهير في اكثر المناطق حساسية في العالم – منطقة الشرق الاوسط وقسم من آسيا - ، ومن الطبيعي ان لا تستسيغ قوى الاستكبار العالمي والطامعون من ذوي السوابق والحاضر السيء والواقع الردئ الملوث الذين يستحقون التوبيخ مثل هذا النظام ويناصبوه العداء ما وسعهم.
ليحذر الجميع لئلا يعينوا اعداء النظام الإسلامي بأي نحو كان سواء بمواكبته أو مسايرته أو من خلال موقف وتصريح وعمل، فهذا من الأمور التي تتنافى مع التقوى والورع.
من الحالات التي ينبغي ان تتجلى عن التقوى في المسؤولين والنظام هو الالتزام بحدود القانون في كافة المجالات وعدم تجاوز ما وضعه الدستور والقوانين المعتبرة لمختلف الدوائر والاجهزة، فتجاوز هذه القوانين ينجم عنه في بعض الحالات المشكلة الكبرى المتمثلة بالفساد الاقتصادي وفساد الاجهزة المسؤولة، أو انه يؤدي الى التضارب بين شتى الاجهزة وتشتتها والى سجالات مضرة مفسدة.
الاجواء اجواء شهر رمضان وهي اجواء معنوية ونحن في حسينية، والزمن خير آن لان نتكلم بهذه الامور فيما بيننا، ونحن – انا وانتم – نعرف الكثير من هذا الكلام، بيد ان الموعظة لا تعني ان يحدث المرء الطرف المقابل بما لا يعلمه، بل هي تعني أيضاً تكرار الامور التي يعرفها الانسان، ففي السماع ما ليس في العلم من أثر، ونحن نحتاج للاستماع وموعظة بعضنا البعض، وان موعظتنا الجوهرية والمهمة هي التقوى، والتقوى بالنسبة لنا نحن المسؤولون هي الأهم ودرجتها من السمو بحيث لا نكتفي بالمستوى المتعارف عليه من التقوى لدى عامة الناس.
هنالك قضيتان من الضروري ان اتطرق اليهما، احداهما القضية التي آثارها
رئيس جمهوريتنا العزيز المتدين السيد خاتمي وتحدث عنها بالتفصيل.
بدءاً حري بي القول ينبغي ان لا تصبح مثل هذه الاحداث التي تمر بها البلاد بأي حال مدعاة للجدال والاختلاف بين المسؤولين أو ابناء الشعب أو التيارات داخل البلاد، فعليكم ان تتجنبوا ذلك- فلقد صدق السيد خاتمي – في قوله من ان لا مواربة في النقد والانتقاد.... الخ، وحتى ان بعض ما شاهده المرء من حالات القلق لدى الطلبة أو ابناء الشعب أو بعض المطبوعات ممن راودتهم الهواجس، هي ايجابية أيضاً وتعبر عن تحفظ كبير لدى المجتمع ازاء عزة الوطن واستقلاله ولكن يجب ان لا ينتهي أي منها الى النزاع والاختلاف والمشاحنة، والمهم ان تعلموا انتم النخب والمسؤولين لا سيما المسموعة اصواتهم ولهم دور مهم جداً – سواء في مجلس الشورى أو الصحافة أو صلوات الجمعة وسائر المراكز – ان البلاد عندما تواجه مثل هذه القضية – وهي واحدة من عشرات أو مئات القضايا التي تمر بها البلاد - فبئس المآل ان تتحول هذه القضية بذاتها الى اداة للشحناء في الداخل.
في بداية غزو العراق لنا كان واجب الجميع واضحاً ومعروفاً ماذا يصنعون، لكن المنافقين الذين كانوا ينشطون ويتحركون ويتحدثون بكل حرية في طهران وسائر المدن، يرددون دائماً اننا نفتقد الحرية! كبعض الذين يقولون الآن ما بدا لهم ويفعلون ما يحلو لهم، وأحد شعاراتهم في نفس الوقت: اننا نفتقد الحرية! انهم لا يدركون ان زعمهم هذا يثير استهزاء اولئك، هكذا كان الوضع آنذاك حيث كانت دمى المنافقين تقف على مفترقات الطرق ترفع بايديهم لافتات تثير الشكوك، والقلق لدى الناس ازاء اصل الدفاع المقدس ولما جرى تنبيههم وتوبيخهم كفوا عن ذلك. فلا ينبغي أبداً ان تؤول هكذا احداث تقع في البلاد الى الجدال والانقسام وتشتت الناس وتفرقهم وتسييس الامور فبئس الامر ذلك.
ليعرف الجميع ان خلاصة ما جرى هي ان الصهاينة الغاصبين لارض فلسطين والطغمة الحاكمة حالياً في أمريكا التي لا نفاد لحقدهم وضغينتهم على الجمهورية الإسلامية وهم على استعداد لاستخدام أية وسيلة دنيئة لبلوغ مآربهم، وقد طرحوا شعاراً على المستوى الدولي مفاده: ان إيران تسعى لتصنيع السلاح النووي فأثاروا حفيظة الكثير من الرأي العام والكثير من الدول ازاء هذا الأمر، وكان هدفهم بعد هذا الصخب ان يحصل اجماع دولي بان الجهد العلمي والتقنية النووية لدى إيران اصبحت مدعاة لخشية الجميع في العالم.
ما الذي يتعين صنعه هنا؟ أيسمح للصهاينة والامريكان بتكرار دعاياتهم أم ينبغي تقديم الايضاحات والتعريف بان الأمر ليس كذلك. فاختار مسؤولوا النظام هذا التدبير بان يوضحوا ويقولوا كلا هلموا وانظروا، وما وافقت عليه الجمهورية الإسلامية حتى الآن هو ان يأتوا ويشاهدوا عمليات التخصيب – وهي حدود معينة – فجاؤوا وشاهدوا وكان مسموحا لهم ان يتوجهوا لأي مكان يتصورون فيه وجوداً لعمليات التخصيب ويعاينوه ليعلموا زيف الدعايات الصهيونية، وهذا طريق سلمي للحفاظ على التقنية النووية.
لا يحق لنا التنازل عن هذه التقنية مهما كان الثمن، وان ما يروج له البعض من ان ما تحقق ليس بالكثير هو ليس صحيحاً أيضاً، فاعلموا ان ما أُنجز مرموق وكبير جداً ولو لم يكن كبيراً جداً آثارا حفيظة اعدائنا الى هذا الحد، فهم يمتلكون خبراء وأناساً عارفين ومطلعين بالحكم الصحيح في هذا المجال.
لقد بلغنا التقنية الوطنية داخل بلادنا، والمهم ان اعداءنا اليوم لو استطاعوا – ولن يستطيعوا – تدمير كافة الاجهزة التي تمتلكها الجمهورية الإسلامية، فلن يقظى على هذه التقنية، لاننا لم نستعرها أو نقترضها من أحد، وخبراؤنا الاذكياء هم الذين نجحوا في بلوغها، ولو كان الأمر وفقاً لمرام الغربيين ومراكز القوة في العالم لما سمحوا للجمهورية الإسلامية أن تبلغ هكذا تقنية حتى مائة عام اخرى. وقد تحقق هذا الأمر رغم انوفهم وبالرغم من الحصار المفروض علينا.
بناءً على هذا فان ما تحقق مهم ولا يحق للحكومة ولا للمسؤولين ولا لمنظمة الطاقة الذرية ولا لأي من ابناء هذا البلد التنازل عن هذا العلم النفيس أو المتاجرة به، ومن المسلّم به ان مزايدة لم ولن تحصل، واذا ما حاول الذين دخلوا المفاوضات مع مسؤولي الجمهورية الإسلامية حول هذه القضية بخوض التحدي معها والمطالبة بالمزيد فان كل شيء سينهار وسيتلقون صفعة من الجمهورية الإسلامية ولا شك في اننا لن نكون على استعداد للتنازل مطلقاً، وعلينا ان نحافظ على هذه التقنية وعلى ما حققنا من تطور علمي وتحقيقي – والحمد لله – في مختلف مرافق بلدنا العزيز. وبطبيعة الحال ما زالت هنالك مسافة تفصلنا عن الخطوط المتقدمة للتقنية، والسبب في ذلك اننا انطلقنا م
ن الصفر- ولا يمكن ان يقال من الصفر - فلقد فعلوا بهذا البلد ما ينتفي معه الآمل بالتطور العلمي والتقني وليس فقط بلوغه، وعليه فاننا لم ننطلق من نقطة "الصفر" بل "من الصفر المقرون بالاحباط" وقد نزلت الثورة الإسلامية الى الميدان من هذه النقطة وها هي اليوم تحقق التقدم والحمد لله.
ان شبابنا اليوم ينشطون في الكثير من جامعاتنا، وكما يخبرني ذوو الخبرة والمعرفة فان مستوى العمل العلمي والتحقيقي في عشرين أو ثلاثين من كبريات جامعات البلاد يضاهي ما في احسن الجامعات العالمية وارقاها من حيث المواهب والعمل وجدية الاساتذة ودأبهم وامتلاك الاساتذة الجيدين، فالتطور جيد والحمد الله، وهذه أمور لم يأت بها أحد للبلاد وانما هي ملك هذا البلد، غاية الأمر ان المستبدين في الداخل من ناحية والاستغلاليين في الخارج من ناحية أخرى كانوا يحولون دونها، والآن حيث البلد مستقل ومتحرر فان هذه العلوم ستبرز رويداً رويداً.
ان الذي قام به المسؤولون كان صحيحاً وجرى بحنكة دون استسلام وقبول بمنطق القوة لاجهاض المؤامرة التي حيكت من قبل الامريكان والصهاينة ضد الجمهورية الإسلامية، وهذه بطبيعة الحال بداية الأمر ولم ينته لحد الآن، واذا ما استمر الحال على هذا المنوال المرسوم حتى الآن فانه سيتواصل، ولكن اذا ما طمع الاعداء أو مراكز القوة بالمزيد واخذوا بالزحف الى الامام خندقاً فخندقاً ونحن ننسحب الى الخلف فهذا يعد استسلاماً وهو ليس صحيحاً بالمرة ولن يسمح بمثل هذا الأمر.
ان كلتا الرؤيتين القائمتين حول المفاوضات التي جرت لا تنطبق – في رأيي – مع الواقع، فثمة طراز من التفكير يتمثل في ان المؤمنين والغيارى من يتصورون ان الحكومة قد استسلمت، وحري القول ان الأمر ليس كذلك فلم يكن هنالك استسلام حتى اللحظة وانما هو تحرك سياسي ودبلوماسي. وطراز آخر من التفكير يعاكس الطراز الأول ويتمثل في ان البعض يتصور وجوب عدم التأخير وتلبية ما يريده اولئك لئلا يتحججوا علينا، وهذا ليس صحيحاً ايضاً ويعد ارتباكاً. ومن ناحية اخرى هنالك تفكير يراود البعض من اعداء الجمهورية الإسلامية اذ يتصورون ان المصيدة قد علقت في فم الجمهورية الإسلامية ولم تعد امامها من حيلة، وهذا ليس صحيحاً، كلا فان هذا الطراز من التفكير حلم وخيال
ساذج.
اننا وحيثما تحركنا باتجاه ينتهي الى نقطة فيها مساس وشك بمصالح الجمهورية الإسلامية نقوم بايقاف ذلك التحرك عندها ودون أي تردد، وعليه فاننا نسلك سبلاً سلمية مقرنة بالعزة للجمهورية الإسلامية من اجل الحفاظ على البلاد وعلى هذا الانجاز، والخط الاحمر فيها هو ان إرادتهم التدخل في شؤونها الداخلية. فإذا ما ارادوا القول اننا نريد الاطمئنان فلا كلام لنا في ذلك وهو ما حصل لحد الآن، وسيجري هذا الأمر لاحقاً إلى حد ما ايضاً، والقرار النهائي – بطبيعة الحال – على عهدة مجلس الشورى الإسلامي ومن ثم يتعين على مجلس صيانة الدستور فحصه في ضوء الشرع والقانون. وان الحكومة لم تتخذ – ولن تتخذ – أي قرار والمسؤولون انما قاموا بعمل تمهيدي.
ان ما بذله المسؤولون لحد الآن – سواء الشيخ الدكتور روحاني أو السيد رئيس الجمهورية شخصيا أو سائر المسؤولين – هو انهم عملوا بدقة وملاحظة كافة ابعاد العملية وهم على حذر لئلا يجري العمل خلافاً للاصول والمتبينات، وانا بدوري على اطلاع وحيثما اشعر بان العمل يجري خلافاً للضوابط والتطلعات والعزة الوطنية ولتوجهات النظام الإسلامي فمن المؤكد بانني لن اسمح به واتصدى له، وبالطبع لم تحصل هكذا قضية لحد الآن والأمل يحدونا بان يتمكنوا من المضي قدماً في هذا الأمر بكل جوانبه لاحقاً بفضل الله.
القضية الاساسية هي ان تفهم الاطراف الاجنبية في هذه القضايا - سواء هذه القضية أو مختلف القضايا التي ترتبط وتتعاطى من خلالها الجمهورية الإسلامية مع الجهات الاجنبية – ان الجمهورية الإسلامية ليست تلك الدولة التي بوسعهم فرض ما كانوا يمررون من اطماع ومآرب على إيران المستعمرة سابقاً، فالجمهورية الإسلامية حقيقة وهوية اخرى، وإيران الإسلام ليست تلك إيران المستعمرة لبريطانيا والمقتسمة بين القوى الكبرى ليكلموها بمنطق القوة ويتدخلوا بشؤونها في كل قضية. فالجمهورية الإسلامية متزودة اليوم بسلاح امضى وأحد من السلاح النووي و
هو سلاح الارادة وايمان الشعب وحضوره ومواكبته للحكومة وهذا هو سلاحنا العملاق. وانهم ليحاولون طبعاً ويروجون، وهم من الوقاحة بحيث يحاولون اقناعنا نحن ايضاً باننا لا نمتلك هذا السلاح وان الجماهير قد اعرضت عن الإسلام والثورة لكننا نعلم ان هذا الكلام يتنافى مع الواقع.
ليعلم محاورونا الدوليون سواء كانوا اوربيين أو غيرهم – ونحن لم نلمس من غير الأوربيين اموراً من قبيل الاطماع... وغير ذلك اما الأوربيين فان الاهداف والمطامع الاستعمارية عالقة في اذهانهم ولو من الماضي – ان الجمهورية الإسلامية ترفض القوة والاملاء والتدخل في المعاهدات والعقود والزيارات التي تجريها، وان لا يغتروا بمعمول الاخبار التي يزودهم بها البعض احياناً ممن يتدانى تأثيرهم من المناخ السياسي العام في البلاد الى درجة الصفر – إن لم نقل هو صفر - ، فعلى الذين يتعاطون مع نظام الجمهورية الإسلامية ان يقتنعوا ان ابناء الشعب هم في صلب نظام الجمهورية الإسلامية وهم عشاق النظام وجنوده، ويحبون اسلامهم واستقلالهم ويدافعون عنهما.
ان البعض من المفلسين وطريدي الإمام والثورة يفرحون لما يتصورون انها أزمة قد برزت امام الجمهورية الإسلامية "ان تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها" فهؤلاء يفرحون لاحتمال نزول الشر بنظام الجمهورية الإسلامية ويجاهرون بفرحهم، وان ه
ؤلاء ثلة من الغارقين بمنة الجمهورية الإسلامية والشعب الثوري المسلم، وان الجمهورية الإسلامية وهذا الشعب هما اللذان منحا هؤلاء الحرية وانقذاهم من محن عصيبة وقاسية، لكنهم تنكروا لجميل الإمام والثورة والشعب فلقد تذوقوا الملح وكسروا المملحة، وها هم الآن يمنون انفسهم بان أمريكا تهدد إيران. انهم يفرحون سلفاً لكل ذريعة وتهديد يوجهه ويجاهر به الأمريكان والصهاينة ضد الجمهورية الإسلامية، وغداً سيفرحون اذا ما اثيرت قضية حقوق الإنسان بوجه الجمهورية الإسلامية. وهذه الثلة لاتعد شيئاً ولا ينبغي ان يخدعوا المحافل السياسية في العالم لا سيما الاوربية منها، فهؤلاء مفلسون مقصرون بحق نظام الجمهورية الإسلامية وهم على جفاء مع الشعب والشعب يلفظهم ولا يثق بهم. وان نظام الجمهورية الإسلامية لا شأن له بهم مادام لم يلمس منهم شراً، على العكس مما يروجون له حيث يقولون: انهم يتصدون لنا لاننا نفكر بنمط مختلف، وقد اختلقوا لهم اسماً مزوقاً تحت عنوان "الرأي الآخر".
لقد قلت ذات مرة ان "الرأي الآخر" تعتبر خاطئ لأن المجتمع الإسلامي يعج بالرأي الآخر، وان الرأي الآخر لا يعني العداء، وان الجمهورية الإسلامية لا تتصدى للرأي الآخر اطلاقاً، ففي الجمع الحاضر الآن هنالك اخوة من غير الشيعة ومن غير المسلمين ايضاً والجميع اعضاء في النظام الإسلامي ويعملون من أجله. ان القضية عناد ومناوئة وشر تتصدى لها الجمهورية الإسلامية، وبالطبع اذا ما ابدى شخص عناداً وشراً فان الجمهورية الإسلامية ستضربه دون توان أو تردد.
من الأمور التي اثيرت خلال هذه المفاوضات الدولية وصرح بها بع
ض الأوربيين وغيرهم كان قولهم باننا لسنا لا نخالف التقنية النووية للاغراض السلمية في إيران فحسب بل سنبني لهم المفاعلات ونزودهم بوقودها، وهذا أمر مرفوض من قبلنا لان المفاعل الذي ينوي الغربيون بناءه لنا وتزويدنا بوقوده لا ينفع إيران فهو يجر الى أسر إيران والإيرانيين، ولقد قلت ذات مرة بشأن النفط: لو كان هذا النفط – الذي هو الآن بيد دول المنطقة – بيد الأوربيين وقدر لهم ان يبيعوه لكم ايها الشعب الإيراني وشعوب سائر الدول التي تنتج النفط الآن لاستلّوا مهجكم ازاء كل قدح منه، وها هم اليوم يشترون ملايين البراميل باثمان زهيدة وان المبالغ التي يسددونها ازاءها كانهم لم يدفعوا شيئاً فاذا ما اراد الغربيون تزويدنا بوقود مفاعلنا النووي فانهم يشترطون لاعطائه آلاف الشروط: لماذا قلتم كذا، ولا نعطي، ولماذا تصرحوا بكذا فلا نعطيكم. ان الجمهورية لا تخضع لهذا المنطق، فنحن الذين نصنع الوقود لمفاعلنا النووي بما هو مجاز من حيث المقررات الدولية وبطبيعة الحال ان انتاج الوجود ذو تقنية عالية وعملية مهمة جداً ومعقدة وحساسة وذات تأثير بشكل عام على التقنية في البلاد.
واقول حول الانتخابات: على الجميع السعي لان تجري انتخابات جيدة، وان ما يدلي به بعض المسؤولين والنخب – سواء في مجلس الشورى أو في الحكومة وسائر المرافق – قاصدين الاثارة من أنه اذا ما حدث كذا فان الشعب لا يشارك، ليس بالواجب الذي يتحمله مسؤول في نظام الجمهورية الإسلامية، فاعرفوا ان واجب المسؤول الامين الذي يرى نفسه جزءاً من جهاز ما – وللمتسلل في هذا الجهاز بحث آخر – هو ان لا يتفوه بما يعاكس مصالح النظام الإسلامي. لماذا لا يشارك في الانتخابات يا ترى؟ انه سيشارك احسن مشاركة، فهل هذه الانتخابات هي الاولى بالنسبة
لنا؟ فنحن نقيم الانتخابات منذ بداية انتصار الثورة قبل خمس وعشرين سنة وقد اجرينا ثلاث وعشرين عملية انتخابية حتى يومنا هذا، وستقام الانتخابات القادمة وهي الرابعة والعشرون بعد عدة اشهر ان شاء الله.
انني اقولها لكم ان الشعب لا يكترث لهذه الأقاويل، فلقد ازدادت مشاركة الجماهير في الانتخابات التي قاطعتها الاحزاب، ونحن يجب ان نتآزر كي تقاطع – الاحزاب – الانتخابات! ويجب ان تجري الانتخابات بحرية وسلمية وبما يتطابق مع القانون، وتقوم وزارة الداخلية بالتنفيذ، فيما يشرف عليها مجلس صيانة الدستور ولكل واجباته التي يتعين عليه القيام بها وعدم تجاوز واجباته المحفوظة كل في محلها، ولكن يجب ان يتركز سعي المسؤولين والاصدقاء على اختلافهم والصحافة على ان يحثوا الجماهير ويصدروا الاجواء بشكل مشوق وحماسي، وبطبيعة الحال ان لسلوكنا انا وانتم اعظم الأثر، فاذا اسدينا الخدمة للشعب وعملنا من اجله وحافظنا على حرمته – وابناء الشعب ابرار جداً – فانه سيشارك وهو يعرف قدر هذه الثورة لاسيما وان الغالبية من شعبنا هم من الشباب وان قلب الشاب يفوق سواه في شموله بلطف الله ورحمته.
ربنا انا نقسم عليك بمحمد وآل محمد من علينا في شهر رمضان المبارك هذا برحمتك ورضوانك وتوفيقك.
اللهم انصر الشعب الإيراني في كافة الميادين. واخذل اعداء إيران والجمهورية الإسلامية وأفشل اهدافهم.
اللهم من على امامنا العظيم – لماله من دين عظيم في اعناق الشعب الإيراني بفتحه امامنا هذا الطريق – برفيع الدرجات وعالي المراتب والمعنويات.
اللهم احشر شهداءنا مع النبي "ص" وزد في توفيق مسؤولي البلاد للعمل بواجباتهم واجعل ما قلناه في سبيلك ومن اجلك ومقبولاً ومرضياً لديك.

 

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته