كلمة الامام الخامنئي دام ظله بمناسبة حلول ايام عشرة الفجر المباركة

 3-2-2004م

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: الانتخابات مظهر المشاركة الشعبية
 

ارحب بجميع الاخوة والاخوات الاعزاء لاسيما الاخوة والاخوات الذين تجشموا عناء السفر وحضروا من مناطق بعيدة، أيام عشرة الفجر المباركة للثورة الإسلامية وعيد الغدير السعيد الذي لم يتبق لحلوله سوى عدة أيام. آملين أن تشملكم وكافة ابناء الشعب الإيراني بركات الله وان تكون هذه الاعياد مباركة عليكم وعلى الشعب الإيراني باجمعه ببركة ما تتمتعون به ايها الشعب العزيز من إيمان وحماس واخلاص ازاء المقدسات الدينية واولياء الله العظام عليهم السلام.

من المناسب اليوم وبمناسبة مرور أربعين يوماً على كارثة الزلزال الذي ضرب مدينة بم، أن نتذكر أبناء هذه المدينة المفجوعين المكلومين ، فبالرغم من أن ابناء شعبنا العزيز قد عبروا منذ بداية وقوع هذه الكارثة عن حسن مواساتهم ومشاطرتهم ابناء بم واظهروا إيمانهم ومروتهم واخوتهم الإسلامية، لكن ابعاد هذه الواقعة المرّة ليست مما يمكن نسيانه . وإن المسؤولين في مختلف مؤسسات الدولة والمؤسسات الثورية الذين عملوا كثيراً لتعويض أهالي بم ما خسروا ومالحق بهم من مصائب عليهم أن يواصلوا جهودهم، ويجب أيضاً أن تشاهد مواساة ابناء الشعب ومساعداتهم ومؤازرتهم لمؤسسات الدولة في هذه القضية كي يطمئن الشعب الإيراني بان هذه الفاجعة الكبرى قد جرى تلافيها إلى الحد المتيسر وتم التعويض عن جرح المصاب الذي نزل بجسد الشعب الإيراني.

كم هو جميل ورائع أن يبقى ابناء الشعب في كل بقعة من البلاد يفكرون باخوتهم واخواتهم ابناء بم، فيبادر المتمكنون لمساعدتهم كما بامكان المرء إلغاء بعض النفقات الفائضة على الحاجة في معيشته ، وكم هو جميل أن يغلي الحجاج الذين اخذوا بالعودة إلى الوطن تصحبهم السلامة ـ النفقات التي تبذل عادة حين العودة من مكة على الزيارات والاستقبالات وانفاقها من أجل أهالي بم ومساعدة اخوانهم واخواتهم المفجوعين.

وبطبيعة الحال أن في ذلك امتحاناً الهياً بالنسبة للأمة ولأبناء المدينة، فالبلاء انما يعني الامتحان والابتلاء، ولقد نزل هذا الامتحان صعباً على ابناء بم بالدرجة الأولى ويليهم ابناء الشعب الإيراني جميعاً .وحريُّ بالجميع أن يخرجوا مرفوعي الرأس من هذا الابتلاء والامتحان الإلهي وليعلموا أن ما يٌرضي الله سبحانه وتعالى هو أن نعيد النظر في افعالنا وسلوكنا وسيرتنا فنعمل على إزالة النواقص ونقاط الضعف والاخطاء عنَّا، فالأمة التي تستقي العبر من التجارب وتساوق طريقها مع الصراط الإلهي المستقيم ستكون مصداقاً لـ (رضي الله عنهم ورضوا عنه).

هذه الأيام ذكرى انتصار الثورة الإسلامية العظيمة وهي عيد بالنسبة للشعب الإيراني بل لمسلمي العالم أيضاً، إذ استطاع الإسلام بأن ينال مفخرة تقويض هيمنة وسلطة القوى الناهبة الغازية وينقذ شعباً بأكمله، فلقد فرضت القوى الاستعمارية هيمنتها وسيطرتها على إيران عشرات السنين، وان الكوارث التي الحقتها حكومة الاستعمار البريطاني بالشعب الإيراني على مدى عشرات السنين لا تنسى، فصادروا الحركة الدستورية وفرضوا دكتاتورية رضاخان السوداء على هذا الشعب ونهبوا النفط وأبقوا على البلد متخلفاً وأهانوا الشعب وأذلوه وهضموا الحقوق العامة للشعب على امتداد عقود من السنين، وبعد أن أخذت قوة الإنجليز بالإنحسار على المستوى الدولي حلّ الأمريكان على هذه المائدة وباشروا تطاولهم .

لقد دامت دكتاتورية محمد رضاخان السوداء خمساً وعشرين سنة بما شهدته من جرائم كان الإنجليز يمارسونها في إيران وتجري على أيدي الأمريكان الذين كانوا يحكمون مخالب سيطرتهم في هذا البلد يوماً بعد يوم وينهبون الثروات ويدمرون الثقافة الإسلامية والوطنية ويعمقون ثقافة العبودية للأجنبي بدلاً عنها. كان كل شيء في هذا البلد يخضع لهيمنتهم وفي قبضتهم وكانوا قد سلبوا الشعب الحياة ، فاستطاع الإسلام أن يعيد الدماء من جديد في عروق الشعب ودفع شعار الصحوة الإسلامية هذا الشعب للتحرك فيما رسمت قيادة الإمام العظيم الدرب أمام الجماهير، فغيرّ هذا الشعب ـ كما يعبرّ القرآن ـ مصيره بإرادته وصموده وجهاده فازاح النظام الدكتاتوري وطرد أمريكا من البلد وقطع هيمنة القوى الكبرى على البلاد فاستعاد حق الانتخاب والسيادة على مصيره مرة أخرى ، وبالنتيجة استعاد الشعب الإيراني حياته.

إن عشرة الفجر ذكرى تجدد حياة شعبنا الإيراني وبلدنا العزيز ، وفي هذه الأيام يحتفل ابناء الشعب ومن حقهم أن يحتفلوا ، واعلموا يا أعزائي !حيثما وجد مسلمون واعون ومتيقظون في العالم من شباب وطلائع ونخب ثقافية وسياسية فهم يعتبرون هذا العيد عيدهم ويعتبرون هذه الصحوة تصب في صالحهم ، فلقد استيقظ العالم الإسلامي الذي كان يغط في نوم تحت براثن وهيمنة القوى الاستكبارية، إذ استطاعت بعض البلدان الخلاص فيما تعيش بعض البلدان حالة الصحوة وفي ذلك مقدمة الخلاص.

إن قيمة هذه الثورة في أنها انقذت إيران من هيمنة القوى العالمية المستكبرة، انظروا ماذا يفعل الطامعون والاحتكاريون الدوليون مع شعوب العالم، وهؤلاء هم الذين كانوا يهيمنون على بلدنا وشعبنا ونفطنا وثقافتنا وحكومتنا وعلى كافة ثراوتنا الإنسانية والمادية فقطعت الثورة ايديهم وطردتهم من البلاد وقوضت تسلطهم على هذا الشعب . هذه هي قيمة ثورتنا، فلنعرف قدر هذه الثورة ولنحافظ عليها ونحن نخط مسيرتنا ونساعد في أن تمضي قدماً نحو اهدافها السامية وهي الأصول والمبادئ والدعائم التي ستؤدي إلى أزدهار مستقبلنا ومصيرنا واقتصادنا وثقافتنا وديننا وودنيانا، وتعمل على التئام جراح وطننا العزيز والمظلوم إيران.


ما يحظى بالدرجة الأولى من الأهمية في هذه الأيام وحريّ بي الحديث عنه قليلاً هي الانتخابات ، فالانتخابات مظهر المشاركة الجماهيرية وحرية الشعب الإيراني في تقرير مصيره، فانكم عندما تنتخبون رئيس الجمهورية فذلك يعني أنكم تسلّمون الشؤون التنفيذية في البلاد بيد من هو منتخبٌ من قبلكم ومنبثق عن آرائكم وارادتكم ،وعندما تنتخبون نواب المجلس فذلك يعني انكم تسلمون أمر التقنين والاشراف على العملية التنفيذية بيد أناسٍ عرفتموهم واتنتخبوتهم أنتم، بناءً على هذا انتم الذين تنتخبون ، وهذا الأمر يعني قدرة الشعب في ادارة البلاد وامساك الشعب بمصير البلاد وهذا ليس بالأمر الهيّن والبسيط ، بل هو كل شيء بالنسبة الينا، وأنني اقولها لكم أن الذي صان بلدنا وشبعنا على مرّ هذه السنوات الخمس والعشرين في مواجهة الهجوم الوحشي الذي شنّه الطامعون الدوليون هو أنهم كانوا يرون الشعب مالك الحكومة والمجلس والمسؤولين، فدعامة المشاركة الشعبية هي التي ارعبت الدول المعتدية والسلطوية في العالم على الدوام، وحتى يومنا هذا ، وقد اعتبرت هذه المشاركة كالخندق بالنسبة لبلدنا ، وهذا امر في غاية الاهمية ، فلو لم تكن في بلادنا انتخابات وحاكمية الشعب والتواجد الجماهيري وارادتكم الجياشة في وسط الساحة ، فاعلموا أن هذه الثورة لم تكن لتستمر سنة واحد. ولم يكن بمقدور الوزارات الصمود بوجه واحد من الهجمات السياسية والحصارات الاقتصادية. فأنتم كنتم تشكّلون ذلك الحصن الحقيقي.

إن الانتخابات مظهر المشاركة الشعبية مثلما أن المشاركة في مسيرات يوم الثاني والعشرين من بهمن إحدى مظاهر المشاركة الشعبية، وإن العدو والأجهزة الاستكبارية تخشى انتخاباتكم ومسيراتكم في الثاني والعشرين من بهمن ، وعليه فإنهم يجندّون كل قواهم عساهم يفلحون في أن يسلبوا من هذا الشعب وهذا البلد الانتخابات والتواجد الشعبي والتصويت الحر ومشاركة الشعب في تقرير مصيره، خمس وعشرون سنة وهم يحاولون ، وهاهم يحاولون الآن أيضاً.

إنكم ترون وتشاهدون في هذه الأيام أن هنالك جدالاً بين الأجهزة التنفيذية وأجهزة الاشراف حول قضية الانتخابات ، وهي موجودة على الدوام، فمن الطبيعي ربما يطرأ اختلاف بين جهاز الاشراف والجهاز التنفيذي حول بعض القضايا وهذا ليس بالأمر الجديد، غير أن الاعداء حدّوا اسنانهم ودخلهم السرور وهوّلوا القضية فيما انخدع بهم البعض في الداخل.

لو أن أحداً استمع للإعلام العالمي ـ بما يسطرونه على الورق يومياً من دعايات دولية بما يشبه الطومار ونشاهد باعيننا ما يقولون وما يفعلون ـ لرأى أن جلّ مساعيهم تنصب على تشويه انتخاباتنا التي لم يبق على موعد إقامتها أكثر من خمسة عشر يوماً. وهذه هي ستراتيجيتهم العامة وتتمثل في تكريس كافة جهودهم على أن لاتقام الانتخابات في البلاد، أي تخلو حكومة الشعب من المجلس وتخلو الحكومة الإسلامية من ممثلي الشعب، فماذا تعني هذه المحاولات؟ إنها تعني قطعهم للرافد الشعبي عن النظام . فاليوم انصبت جميع محاولات وجهود المحافل السياسية الأجنبية ـ أي الذين يناصبوننا العداء ـ وأجهزتهم المخابراتية والإعلامية على هذه القضية ، وتركزت ستراتيجيتهم العامة على تشويه الانتخابات والحيلولة دون إجرائها. فهم منزعجون وناقمون تماماً على الانتخابات لعلمهم أن الانتخابات تمثل سداً بوجه مؤمراتهم وتعرقل ممارساتها الخبيثة بحق هذا البلد لذلك فهم يطمحون بأن لا تقام الانتخابات وهذه هي ستراتيجيهم العامة.

إذا ما نظرتم إلى الإعلام العالمي في هذه الأيام تجدون أنهم يطرحون خديعتهم الحالية في هذا الأطار وهو أن نؤجل الانتخابات ! فتلك ستراتيجيتهم وهذا تكتيكهم، فما فتئوا يلقنون مسؤولي البلاد ومنهم المسؤولون التنفيذيون بأنكم عاجزون عن إجراء الانتخابات ويفترض بكم أن لا تقيموها ، فالإعلام الأجنبي مركزٌ على هذه القضية بشكل مباشر أو غير مباشر إذاعياً وسياسياً وبسائر اضافة واشكاله الاخرى.

ما يمثل واجب الحكومة والشعب في إيران هو أن يقفوا بوجه مؤامرة الأعداء، ويجب أن تقام الانتخابات في موعدها المقرر في الأول من اسفند دون تأخير حتى ولو ليوم واحد، وإنني لآسف أن يردد البعض عن غفلة ما يتفوه به اعداء هذا الشعب .أنهم ومن خلال دعاياتهم واساليبهم وخدعهم يشجعون بعض المسؤولين التنفيذيين إلى الاستقالة وعدم ممارسة واجباتهم القانونية، فهل أن إجراء الانتخابات واقامتها حق أحد من المسؤولين كي يقول إنني أطالب بهذا الحق أو أرفضه؟ إنه واجب . واجب قانوني معين على أجهزة الدولة وعليهم أداء هذا الواجب وهو حق أبناء الشعب ، أو يحق لأحد في داخل البلاد أن يقول بما أنني لا أرتضي هذه الظاهرة أو هذا الاسلوب فلا أنفذ ما عهد به القانون كواجب عليّ؟ أو يصح مثل هذا العمل؟ إن التنصل عن المسؤولية بصيغة التنحي أو الاستقالة وغير ذلك يعد مخالفة قانونية ومحرّمٌ شرعي بالنسبة لهؤلاء المسؤولين، وهل يمكن التلاعب بهذا الحق العظيم لأبناء الشعب؟!

إن غالبية مسؤولينا والنواب في مجلسنا ومسؤولينا التنفيذيين أناسٌ متدينون ومحبّون للثورة ومستعدون لخدمة الشعب ، فلا ينبغي تصور غير ذلك فيما يخص المجلس ، كلا فالمجلس ركن النظام . وبطبيعة الحال إن الوضع داخل المجلس على غرار سائر المراكز فربما تتسلل أو تنفذ إليه عناصر تقلب الحقائق وتضيّق الاجواء وتشددها على الآخرين فتدفعهم للقيام بأعمال مرفوضة ومستهجنة ، فغالبية نواب المجلس على أهبة الاستعداد لتقديم الخدمة لأنباء الشعب. وذلك واجبهم وعليهم أن يقوموا به ويخدموا الشعب.

إن الفلسفة من وجودي أنا وأمثالي وسائر المسؤولين هي الخدمة فنحن خدّام الشعب وأن شأننا واعتبارنا في ذلك وهذا ما فرضه علينا الإسلام ونحن لامنّة لنا في أعناق الناس بل الناس لهم المنة علينا، وبهذه الروح وهذه النيّة وقفت هذه الثورة ووقف هذا النظام على قدميه لمدة خمس وعشرين سنة. وصمد هذا الشعب كالطود الشامخ بوجه الاعداء المتآمرين الماكرين لخمسة وعشرين عاماً. وان الذين يفقدون هذه الروح أو يحثّون الآخرين على الانسلاخ منها انما هم يخونون هذا الشعب.

على كافة المسؤولين سواء في السلطة التشريعية أو التنفيذية أو القضائية أن يثيروا حزام الهمة على الدوام ويتأهبوا لخدمة الشعب، وعلى المجلس أن يقوم بواجباته الكبرى وهذا واجب شرعي وقانوني واخلاقي ووطني، وكذلك لتنهض الحكومة بواجباتها ولتؤدِ السلطة القضائية مسؤوليتها، فعلى الجميع أن يؤدوا واجباتهم. فلقد شق البلد طريقه بعد حرب طويلة والحمد لله، وأنجزت أعمال كثيرة وجبّارة، وها هي الآفات الزاهرة تتجلى آثارها تدريجياً وإذا بالأعداء يحاولون في هذه المرحلة الحيلولة دون هذا التطور من خلال سياساتهم ومؤامراتهم وحيلهم، أو نسمح لهم بذلك؟

لقد انطلقت في هذه الأيام الكثير من التصريحات عن مختلف الالسن والابواق في داخل البلاد وبعضها تحزّ في القلب كثيراً، فلابد من تحري الطريق الصحيح، وان المسؤولين والغيارى قد بذلوا الكثير من الجهود والمساعي حقاً وأنني اتقدم اليهم، فلقد قام مجلس صيانة الدستور الموقر بالكثير من الاعمال والجهود وهو يستحق التقدير والشكر بالواقع، كما بذل رئيس الجمهورية ورئيس المجلس الكثير من الجهود والمساعي وإنني اتقدم اليهم بالشكر أيضاً ، كما بذلت الاجهزة كلّ حب مساهمته جهوداً طيبة وبناءة، وبطبيعة الحال هناك اناسٌ طامحون ـ وكما قلنا ـ انهم يحاولون تمرير مهماتهم من خلال العنجهية ويريدون ممارسة الضغوط على مسؤولي البلاد وقد مارسوا ضغوطاً كثيرة على هؤلاء السادة لكنهم صمدوا، وإنني اسأل الله تعالى لهم التوفيق واتقدم اليهم بالشكر ـ بمن فيهم رئيسا السلطتين التنفيذية والتشريعية وكذلك مجلس صيانة الدستور ـ لوقوفهم بوجه ضغوطات الفئات الضاغطة والطامعة.

بطبيعة الحال أن الجدلات قائمة على الدوام وان لها جميعاً طريق حلّ وليس هناك عقدة يستعصي حلها، فالمعضلات كبيرها وصغيرها قابلية للحل ولقد استطاعت هذه الثورة وعلى مدة خمس وعشرين عاماً أن تقتحم كل هذه المغالق وتمضي قدماً فبحول وقوة من الله لاوجود لأي طريق مسدود أمامنا والحمد لله.

نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينزل فضله على هذا الشعب، إنكم يا أبناء الشعب الإيراني بإيمانكم وإخلاصكم وعزيمتكم وارادتكم وتواجدكم مظهر لطف الله وفضله . جعلكم الله من المشمولين برحمته وفضله الدائمين، وأعان الله المسؤولين الغيارى والخدومين، وان يهدينا جميعاً ويرضي عنا قلب الإمام ولي العصر (ارواحنا فداه) ويحشر شهداءنا الاعزاء وامامنا العظيم مع أوليائه.


 

 والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته