مقدمة المترجم

(الحوزة) هي تراث الجهاد الدؤوب لعلماء الدين، فلقد كان سعيهم العلمي الدقيق والعميق هو السبب في نمو الثراء الثقافي للتشيع، وإن زهدهم وتقواهم وقناعتهم لمن ا لأمور التي جسدت النماذج العملية للفضيلة في العقول والأنظار، كما أن جهادهم ضد الجائرين والمستبدين والمستعمرين جعل الحوزة في طليعة النضال الاجتماعي والسياسي في البلاد، وإن تعاطف وتعاون علماء الدين مع الناس جعل منهم الملجأ والملاذ لآلام الناس ومعاناتهم وجعل منهم رفيقاً لهم في العسر واليسر.

هذا الوجه المشرق للحوزة تعرض للسطو والتزييف في القرن الأخير، حيث كانت الضربات واللطمات تنهال على الحوزة من كل ناحية لكي يجردوها من وجاهتها ويقضوا على قوتها وصلابتها ويزيلوا الاعتماد عليها والثقة بها من نفوس الناس، ولقد كان هذا السعي المتواصل متعدد الجبهات، فدعاة التجديد راحوا يقفون بوجه الحوزة وعلماء الدين باسم الإصلاح، فضخموا ما في الحوزة من نقاط ضعف ونقص وأبرزوها للعيان، كما أن القوى الأجنبية والحكومة البلهوية كانوا هم العدو الآخر للحوزة وعلماء الدين، فبذلوا قصارى جهدن للقضاء على هذا الرصيد الوطني الضخم، ورفعوا راية الاقتداء في الساحة بلا منافس!

إن هاتين الجبهتين المناهضتين لعلماء الدين وضعت كل منهما يدها في يد الأخرى في العديد من الحالات، فانهالتا هجاء وطعنا في علماء الدين على نسق واحد ووتيرة متسقة، ووظفتا كل الطاقات للقضاء على قواعد الصلة الوثيقة بين الناس والحوزويين.

وتحت وطأة هذه الجهود المركزة والمبرمجة والمنسقة، أخذت الحوزة العلمية تضعف وتضمحل يوماً بعد آخر، ففقدت الكثيرين من مخاطبيها، وأصيبت أكثر بسوء الظن، ووقعت رهن الإبهام والغموض المتزايد فيما يخص قابليتها ومستقبلها العملي، وفي كلمة واحدة باتت الحوزة في جوّ يسيطر عليه الضباب وتحوطه الظلمة والحلكة دون أن تؤمل لنفسها بمستقل زاهر مضيء، وراحت تقضي أيام الاحتضار الشاقة في قلق واضطراب.

ولكن أنفاس (روح الله) لم تنفخ الروح في البلاد من جديد فحسب، بل إنها أيضاً بعثت في الحوزة حياة جديدة، ومنحت كيانها المهشم العاني دفء النور والأمل، ومسحت عن روحها وبدنها برودة الشبتاء القارس كشمس تموز، وأعادت لها مجدها التليد، وأضافت إلى فصائلها فضائل أخر:

(إن حوزاتنا العلمية ف الحقيقة تدين بالحياة للثورة والإمام (ره)، فلو لم تكن هذه الثورة وهذه الحركة العظيمة لكان ذلك النهج الذي اتخذته الأجهزة المعارضة للدين قد أخذ ينخر في كيان الحوزات ويقضي عليها، ولكان قد أزال حق اسمها ورسمها بالتدريج، ثم راح يتوغل هنا وهناك بعد القضاء عليها قضاء مبرماً.

إن التوجّه نحو الدراسة في الحوزات العلمية كان قد قلّ في الواقع، وإن قيمة الحوزة كانت تقترب من الصفر حسب تقييم المجتمع، فلقد كانوا يتحركون ويعملون بهذا الشكل، ولكن هذه الثورة وهذا الإمام العظيم نفخاً روح الحياة في الحوزة، وأعادا لها كرامتها في العالم والمجتمع، ومنحاها ما يليق بها من شخصية، ورفعاً رأسها عالياً، وجعلا وجهها يشع بالضياء المتألّق)* حديث في بداية درس الخارج في الفقه.

 

وعلاوة على ذلك، استطاع الإمام (ره) أن يضفي تجلياً عملياً على علوم الحوزة، وأن ينزل بها إلى معترك الحياة الاجتماعية، وأن يخلص هذه العلوم من عزلتها الفردية، وأن يقدم الدين في قالبه الاجتماعي الحي ودوره الحكومي.

إن هذا التمظهر الذي منحه الإمام للعلوم الحوزوية يعتبر عملاً عظيماً جداً، كالذي كانت متصفة به أولاً، فالفكر الشيعي كان قد اكتسب الروح الفردية جراء ما عاناه من مخاصمة أو انقطاع، وكان الفرد ـ وليس المجتمع ـ هو المخاطب في علوم الفقه والأخلاق والكلام وسواها، كما كانت همة الفقيه والمتكلم والعالم المتحلي بالأخلاق مقتصرة على رخاء الفرد وسعادته، وأما قوانين الحياة الجماعية فلم تكن في متناول الفقيه ولا داخلة في اهتمامه.

وكذلك حفظ وترسيخ القيم الاعتقادية لجزء كبير من المجتمع لم يكن هو فضائل ورذائل الفرد، ولكن إعداد الأرضية ا للازمة للارتقاء بالصحة النفسية للمجتمع لم يكن داخلاً في نطاق عمله، وفي كلمة واحدة، فإن جهود العلماء والثقافة الشيعية لم تكون تتجاوز الحفاظ على إيمان الفرد دون أن يكون هناك مشروع يخص الحياة الاجتماعية.

لقد استطاع الإمام (ره) أن يقوم بتغيير عميق في هذه النظرة التاريخية وأن يجعل الفكر الفردي الشيعي يقترب من الحياة الاجتماعية، وأن يبيّن الدين ويفسره في شكله التطبيقي مع الحياة الاجتماعية وينظر إليه نظرة جمعية، ويؤسس لعلوم الفقه والكلام والأخلاق والعرفان وغيرها بما يتناسب مع قالبها الحكومي، وهذا الدور العظيم الذي قام به الإمام يجعله بمنزلة مجدد الفكر الشيعي في هذا القرن ويضعه في طليعة ما يربو على ألف عام من تاريخ التشيع.

(إن عمله (الإمام) لا يمكن في الحقيقة مقارنته بعمل بقية الفقهاء الشيعة، فلقد كانوا جميعاً يكتبون ويتحدثون في نطاق تربية الفرد فحسب، على أمل إقامة حكومة على أساس هذا النظرة، حتى إن المرء ليجد أن مثل هذا الأمل لم يكن في قلوب اكثرهم، وإنما كانوا يكتبون ويصنفون فقط من أجل أن يكون الفرد مسلماً في حياته الفردية والشخصية، ولكن الإمام عمل على أن يعيش الإنسان في محيط إسلامي في كل أبعاد وجوده، لقد كان أولئك الفقهاء يستنبطون بهدف أن يستطيع الفرد الحفاظ على كونه مسلماً، ولكن الإمام كان يستنبط بهدف ان يستطيع المجتمع الحياة في ظل النظام الإسلامي.

إن هذه الشعلة المتوهّجة لم تنطفئ بوفاة الإمام، فسماحة القائد لم يلبث أن اقتفى أثره، وأخذ يسعى في العمل على النهوض والرقي بمستوى هذا الصرح الديني المهم، وذلك بما يتسم به سماحته من حب لقضايا الحوزة وعلاقة شخصية بها، لقد أولى سماحته الكثير من الاهتمام منذ زمن بعيد بقضايا الحوزة والعلماء بكل ما لديه من حماسة وضغف وتحرق وشوق، ودائماً كان يبذل  جهده الوافر في سبيل الحفاظ على الحوزة وتطويرها والأخذ بيدها نحو الكمال.

ويعبر سماحة القائد عن العلاقة بينه وبين الحوزة في جملة قصيرة، فيقول:

(إن لي بقضايا الحوزة والعلماء وعلاقة عميقة من نوع تلك العلاقة التي يمتلكها الإنسان تجاه نفسه وممتلكاته.

إن سماحته ـ باعتباره سليل بيت عظيم للعلم والفقاهة ـ اتجه منذ نعومة أظفاره نحو دراسة العلوم الدينية، واعتبر لباس علماء الدين بركة من بركات حياته، وأولى اهتماما كبيراً بقضايا الحوزة والعلماء منذ تلك الأيام البعيدة باعتبارها من أكثر الاهتمامات والموضوعات أصالة، ففي مرحلة الدراسة، وأعوام النضال والتدريس، وبعد انتصار الثورة، وفي زمن الزعامة وقيادة الأمة، أولى سماحته عناية خاصة على الدوام بقضايا الحوزة، وكانت له آراء وأفكار فائقة الأهمية فيما يخص أبعادها وآفاقها.

وإن سماحته بلا شك يعد من أبرز العارفين بشؤون الحوزة الذين نظروا إلى هذا الصرح الشامخ من زواياه المختلفة، وقدم أفكاره العميقة إلى المحافل العامة والخاصة، أو عن طريق الكتابة والنشر.

لقد اعتبر ـ سماحته ـ الحفاظ على هذا الكنز الثمين من الضروريات، وعلى هذا الأساس فقد قررنا إصدار هذه المجموعة وتدويرن أفكار سماحته النيرة، وذلك كي تستطيع الحوزة والعلماء الاستفادة من آراء سماحته، فيحددوا طريقهم ليفتحوا لهم أفقاً مشرقاً في مستقبل الإصلاح والتجديد.. ومن هذا المنطلق فقد أعددنا هذا الكتاب ووضعناه بين أيدي علماء الحوزة والمعنيين بقضايا الحوزويين.

وفي نهاية هذه المقدمة، وجدنا من الضروري الإشارة إلى النقاط الآتية:

1- لقد تم المجيء ببعض السطور بهدف إيضاح ووصل وفصل كلمات سماحة القائد، وذلك كي تحتل كلماته مكانها المناسب دون أن يعاني المخاطب من القطع والفصل المخل والمضر، كما أن الإيضاحات والإضافات التي جاءت هنا ليست على المستوى الشامل من الشرح والتحليل ـ وإلا لتطلب ذلك المجلدات الكثيرة ـ بل اقتصرت فقط على التوضيح الإجمالي وإلقاء النظرات السريعة، على أمل ان يكون هذا النص أساساً ومنطلقاً لشروح وحواشي متعددة من قبل المهتمين بقضايا الحوزة، وأن تجد أ فكار سماحة القائد طريقها إلى البحث والتحقيق في فضاء واسع يتميز بالعلم والمعرفة، وأن تكون ثمارها ونتائجها مدداً للحوزة والمجتمع.

2- جاءت كلمات القائد مطبوعة بحروف مميزة، وذلك بغية الحفاظ على أصالتها، وحتى لا يحدث الخلط بينها وبين الإضافات الموجودة، واحترازاً من الوقوع في الخطأ والشبهات.

3- تم إعداد هذا الكتاب استناداً إلى مجموعة واسعة من أحاديث سماحة القائد فيما يخص الحوزة والعلماء، فجاء على هذه الصورة، وبمراجعة النص سيجد القراء كيف أن أحاديث القائد تنظر إلى آفاق مختلفة من قضايا الحوزة، وسيطلع المخاطب على آرائه الحكيمة في أبعادها المختلفة.

وعلى أية حال، فإن هذا الكتاب لا يدعى فيه الاستقراء التام لكافة أفكار وآراء سماحة القائد، حيث ما زال في طيات أحاديث سماحته الكثير من النقاط القيمة فيما يتعلق بموضوع الحوزة والعلماء، راجين أن تأتي الكتب القادمة من هذه المجموعة على ما ينبغي لها من التطور والاكتمال، وأن تتيسر الاستفادة الشاملة من أحاديث وكتابات سماحته.

وأخيراً، نرجو أن تأتي هذه الصفحة من (حديث الولاية) بثمارها المرجوة، وأن تكون صفحات حياتنا وأفكارنا مطابقة لها، وأن تصب عونا للحوزة في السير على طريق الإصلاح والعمل المثمر والجاد.

 

 

 

الفهرس

إشارة

مقدمة

الفصل الأول: معرفة الحوزة

المقالة الأولى: تاريخ الحوزات الشيعية

طلائع المقاومة

الذخيرة التاريخية للعلماء

مرحلة الانقطاع

المقالة الثانية: معرفة نسيج الحوزة

شعبية الحوزة

المستضعفون قاعدة العلماء الاجتماعية

الحوزة والبلاط

الاستقلال المالي

قيادة النهضات الاجتماعية

الاتجاه نحو العلم

النفقة اليسيرة

مرحلة العزلة، ومرحلة الحضور

المقالة الثالثة: نشاطات الحوزة

عرض الإسلام الأصيل

الجهاد من أجل الشعب

تربية أفراد المجتمع

الثورة واتساع نطاق نشاطات الحوزة

الفصل الثاني: الحوزة وقيام الإمام

المقالة الأولى: الحوزة والنهضة

المقالة الثانية: الحوزة والثورة

الحوزة ومكاسب الثورة

حق الثورة على الحوزة

قدر النعمة

مسؤولية الحوزة

المقالة الثالثة: الحوزة والدفاع المقدس

ملابس القتال

تأثير علماء الدين في الحرب

مكاسب الحوزة من الدفاع المقدس

تكريم المضحين

الفصل الثالث: الرسالة الاجتماعية للحوزة

المقالة الأولى: معرفة الزمان

إدراك اللحظات

آثار الحضور في الزمان

التعامل الفاعل مع تطورات العصر

المقالة الثانية: إنتاج الثقافة

الأدوار الثقافية لعلماء الدين

تعميق الثقافة الدينية

الأرضيات والوسائل

المقالة الثالثة: الحوزة والمجتمع

ميزان معرفة المجتمع بالحوزة

المتطلبات الاجتماعية

توقعات الجماهير

مسؤولية المؤسسة العلمائية

الآفات والأخطار

المقالة الرابعة: الحوزة والسياسة

ضرورة الفهم والعمل السياسي

أثر الفهم السياسي

طرق وأساليب

آفات فقدان الوعي السياسي

التلاعب السياسي في الحوزة

المقالة الخامسة: الحوزة والنظام

الحقائق الموجودة

نظرية الحذف

حاجة النظام للحوزة

موقف الحوزة إزاء النظام

مستقبل النظام

السلوكيات المغرضة

الفصل الرابع: هيكلية الحوزة

المقالة الأولى: فكر الإصلاح

تاريخ الفكر الإصلاحي

الشعور بواجب القيادة

الخصائص اللازمة للتطور

المقالة الثانية: التخطيط والتنظيم

ضرورة التخطيط

متطلبات التخطيط

المتطلبات التنفيذية للتخطيط

الأصول العامة في التخطيط

وجهات النظر التخطيطية

هيكلية التنظيم

الاستقلال عن الحكومة، ومساندة النظام

الملحقات

الملحق 1: بيان الإمام الخميني (قده) إلى المراجع

الفقهاء مجاهدون في سبيل الله

علماء الدين ملاذ المحرومين

شهداء الحوزة

العلماء الملتزمون والرأسماليون مصاصوا الدماء

مخالفة العلماء لمظاهر التمدن

كتاب الآيات الشيطانية

العلماء الخونة والمتظاهرون بالصلاح

فصل الدين عن السياسة

الشعارات المظللة

تأثير الأجانب على ثقافة الحوزات

صعوبة المشكلة

ماذا ينبغي أن نعمل؟

إنجازات الثورة

بركات الحرب

أداء التكليف وليس النتيجة

لقد كنا موفقين

الليبراليون لم يكونوا مع الثورة

ما دمت موجودا فلن أدع

لمصلحة من ينقسم العلماء الثوريون؟

جامعة المدرسين

النزاع مهلك في جميع صوره

هدف الأعداء هو القضاء على علماء الثورة

الفقه التقليدي واجتهاد الجواهري

الفلسفة العملية للفقه تتجسد في الحكومة

كفريات كتاب آيات الشيطان

الفقه العملي للإسلام

القضاء والأمور التنفيذية

الملحق2: خطاب السيد الخامنئي للطبة البحث الخارج

الحوزة وضرورة نهضة علمية جديدة

كلما ازدادات أهمية الدين ازدادت أهمية الحوزات

على الحوزات العلمية التخطيط لحركة ونهضة جديدة

المباحث الأساسية في الحوزات العلمية

هدفنا إعلاء كلمة الله

علينا بشحذ الهمم والعزائم