
|
المقدمة تمتلك الحكومات التي تعتبر نفسها اليوم سبّاقة إلى الحرية والحضارة والحفاظ على حقوق الإنسان تجربة طويلة وسوداء في تاريخ استعمار الشعوب والاستيلاء على ثرواتها. ومنذ عدة عقود من الزمن فقدت هذه الحكومات فرصتها وموقعها الاستعماري التقليدي، وذلك بفضل صحوة الشعوب وكفاحها من أجل استرداد استقلالها، فاضطرّت على الرغم منها إلى تغيير أساليبها الاستعمارية والسلطوية واتباع أسلوب جديد ومستحدث، فبدلاً من الاستعمار المباشر للبلدان لجأت إلى فرض شرذمة من الحكام العملاء لتحقيق ما تطمح إليه من أهداف ومصالح لا مشروعة، على أن هذه الحكومات الاستعمارية خطت إلى ما هو أوسع من ذلك أيضاً، فعمدت إلى استخدام وسائل الاتصال المتطورة والأساليب الإعلامية المعقدة بغية فرض ثقافتها على المجتمعات الأخرى، لتفكّر كما تفكّر وتعيش كما تعيش، فتنضم الشعوب إلى زمرة الحكام، وبهذا، ورغم تبدل الأساليب الاستعمارية، فإن الهدف الاستعماري بقي كما هو لم يتغير، ألا وهو استعلاء وتسلّط المستكبرين أكثر من ذي قبل. ولم يكن الشعب الإيراني المسلم مستثنى من هذه القاعدة، حيث امتلك زمام أموره عدد من الحكومات العميلة والمستبدة على مدى زمن طويل، وكان آخر هذه الحكومات النظام البهلوي العميل الذي خيّم بظلاله الاستبدادية السوداء أكثر من نصف قرن على إيران بمؤامرة من بريطانيا الاستعمارية العجوز، ودعم من أمريكا المستعمر الجديد، ولم تتورّع الحكومة الأمريكية بصفتها المساند الأكبر لهذا النظام على بذل شتى المساعي التآمرية من أجل ترسيخ قواعدها الاستبدادية وإخضاع شتى فئات الشعب الإيراني والتكالب على نهب مصادر إيران الغنية.
ومن أبرز هذه المحاولات والمؤامرات تدبير انقلاب الثامن والعشرين من مرداد المشين، ولعبة الثورة البيضاء، والقضاء على الزراعة في إيران، وفرض آلاف المستشارين العسكريين، وتحويل إيران إلى مستودع للأسلحة الأمريكية بذريعة مواجهة المد الشيوعي، ونشر الثقافة الأمريكية المبتذلة، والدفاع عن جرائم النظام الطاغوتي المنكرة لقمع كفاح الشعب الإيراني المسلم على طريق العزة والكرامة. وحتى بعد انتصار الثورة الإسلامية الظافرة، فلم تتوقف الحكومة الأمريكية عن اختبار شتى أساليبها التآمرية لإفشال هذه الثورة، ومن جملة ذلك مصادرة الأموال والإيداعات الإيرانية، وتحويل السفارة الأمريكية إلى وكر للنشاطات الجاسوسية، وفرض الحصار الاقتصادي، وتدبير المحاولات الانقلابية، وإشعال فتيل الحرب المفروضة، والتصديق على ميزانية خاصة لإسقاط الجمهورية الإسلامية، ومحاولة فرض العزلة على الجمهورية الإسلامية في المحافل الدولية، والحيلولة دون انتشار نداء الحرية الذي أطلقته الثورة الإسلامية، وفي الأعوام الأخيرة للحرب المفروضة، وفضلاً عن دعمها العسكري والسياسي الواسع للعراق، فإن الحكومة الأمريكية لم تتردد عن الدخول بنفسها مباشرة إلى ساحة الصراع لصالح النظام العراقي، فأقدمت على إسقاط طائرة الركاب الإيرانية، وراح ضحية ذلك مائتان وتسعون شهيداً من ركاب هذه الطائرة، فأضافت بذلك صفحة سوداء أخرى على سجل جرائمها النكراء. كما بذلت الحكومة الأمريكية جهوداً مستميتة في مرحلة الإعمار والبناء، لإيقاف مسيرة إعادة البناء وإعمار ما دمّرته الحرب، واستغلّت ما لديها من وسائل الترغيب والترهيب لإجبار الدول الأخرى على عدم توسيع وتمتين أواصر علاقاتها الاقتصادية مع الجمهورية الإسلامية، وذلك عن طريق سن وابتداع عدد من القوانين الدولية المجحفة كقانون داماتو إلا أن جميع هذه المؤامرات باءت بالفضل بفضل الله المتعال، وشقت سفينة الثورة الإسلامية طريقها بقوة وثبات وسط الأمواج الدولية المتلاطمة بفضل القيادة الحكيمة للإمام الخميني (قده) ومن بعده قائد الثورة الإسلامية الإمام الخامنئي (دام ظله)، دون أن يتعرض طريقها شيء في انطلاقتها العملاقة نحو شاطئ الأمان وتحقيق أهدافها وآمالها السامية. وبعد أن تجرعت الإدارة الأمريكية كأس الهزائم المرّة، فإنها راحت تعرب عن رغبتها الزائفة في الجلوس حول طاولة المحادثات مع إيران، ولكنها في حقيقة الأمر ما زال قلبها ينبض بالعداء التليد للثورة الإسلامية. وما دامت الجمهورية الإسلامية في إيران ثابتة على مواقفها المبدئية وغير التساومية في الدفاع عن الشعب الفلسطيني المظلوم ومعارضة السلام غير العادل في الشرق الأوسط والنظام العالمي الأمريكي الجديد، وما لم يتوقف الحكام الأمريكيون عن دعمهم الواسع للكيان الغاصب للقدس وعدائهم للثورة الإسلامية، ومواصلة فرض إرادتهم الباطلة على المجتمع الدولي، فإن المباحثات وتطبيع العلاقات بين الجمهورية الإسلامية وأمريكا لن يكون ممكناً. إن معرفة الجيل الناهض في العالم الإسلامي بالطبيعة والأهداف الاستكبارية للحكومات الأمريكية وما ارتكبته من مظالم حيال الشعب الإيراني طوال العهود الماضية، يعدّ مسؤولية خطيرة تقع على عاتق المحققين والمفكرين، وعبئاً ثقيلاً على كاهل المراكز العلمية والثقافية، وإن أقوال ومواقف الإمام الخميني (قده) وقائد الثورة الإسلامية سماحة آية الله العظمى الإمام الخانمئي (دام ظله) كطليعة للنضال ضد أمريكا في العصر الحاضر لمن أهم وأغنى المصادر لمعرفة طبيعة الحكومة الأمريكية المستكبرة. وإن دار الولاية للثقافة والإعلام، وبعد ترجمة وإصدار كتاب (أمريكا في فكر الإمام)، أخذ على عاتقه أيضاً مهمة ترجمة كتاب (أمريكا في فكر القائد) والذي يعكس أقوال وأفكار ومواقف قائد الثورة الإسلامية حول أمريكا، وهو يحتوي على خمس عشر فصلاً وملحق واحد، وهو أقوال مختارة من كتاب (حديث الولاية) وصحيفة (جمهوري إسلامي) منذ بداية فترة قيادته حفظه الله وحتى نهاية عام 1998م، على أمل أن يكون هذا الكتاب القيم مصدراً للفائدة المرجوّة للقرّاء المحترمين.
دار الولاية للثقافة والإعلام
|