
|
مقدمة الكتاب
بسم الله الرحمن الرحيم هي الثقافة ومن هو المثقف؟ من أين نستمد ثقافتنا؟ ما هو دور المثقف الإسلامي في صياغة مجتمع واعٍ؟ ما هو الغزو الثقافي وما الفرق بينه وبين التفاعل الثقافي وما هو موقف الدين الإسلامي من الاستفادة من علوم غير المسلمين؟ ما هو دور الثقافة والمؤسسات الثقافية؟ ما الذي يجب على النظام الإسلامي عمله من أجل المجتمع في المجال الثقافي هل هو مسؤول عن ذلك أم أن الأفكار والعقائد لا تدخل ضمن النظام؟ إلى غير ذلك من الأسئلة التي يجد القارئ الكريم أجوبتها ضمن هذا الكتاب الذي هو ترجمة لبعض كلمات سماحة القائد الخامنئي (حفظه الله) حول الثقافة والمثقفين وغيرهما من المحاور المهمة.
أهمية هذا الكتاب: يكتسب أي كتاب أهميته من عدة عوامل تعد مجتمعة مكونات أساسية للكتاب ويكون لها الأثر في بروزه وتأثيره، وأهم تلك العوامل: 1- شخصية الكاتب ومستوى ثقافته وتوجهه الفكري والثقافي والتجارب التي مر بها وتحمله شخصيته مما يؤثر في النتائج والتوصيات التي يخرج بها المؤلف للقراء. 2- الموضوع الذي يتناوله الكتاب وهل له دخل في معالجة قضية كبيرة من قضايا الأمة وهل يساهم في حل إحدى المعضلات والمشاكل الآنية أو المتجددة؟ 3- المخاطب بهذا الكتاب الذي وجهت له الكلمات بشكل مباشر من قبل المُلقي أو المرسل أو الكاتب حيث أن سعة وضيق مسؤوليته ومدى تأثيره في مجتمعه وكذلك المستوى الثقافي الذي يحمله هذا المخاطب يتناسب مع اهتمام الكاتب به. عزيزي القارئ إن هذا الكتاب الذي بين يديك يكتب أهميته من اجتماع النقاط الثلاث الأنفة فيه. فكاتبه وهو غني عن التعريف بشخصيته أحد حملة الفكر وناشريه ذو خلفية ثقافية استمدها من التاريخ الذي يعتز به ويفتخر فهو بخلاف الكثير ممن انقطع عن تاريخ أمته ما زال يافع عن أي نقطة إيجابية يمكن أن يراها في تاريخ هذه الأمة يقول سماحته في هذا الصدد: (إن العصور الوسطى التي يحاول الجميع التبرؤ منها ومن آثارها لم تكون قرون مظلمة بالنسبة لنا نحن المسلمين بل كان يحطها الجهل وتطبق عليها الغفلة في البلاد الغربية والأوروبية على وجه الخصوص، أما نحن فقد كانت عصورنا من العصور التي انتشر فيها العلم والإبداع في أوساطنا)، على أن هذا التمسك بالجذور لم يمنع سماحته من الاطلاع عن المنتج الثقافي الحديث وفي الأوساط الغربية والشرقية على حد سواء مستفيداً من تلك التجارب قارئاً لها قراءة الناقد البصير الذي يحاول أن يضع إصبعه على مكامن الخلل ونقاط الضعف في تلك التجارب الثقافية التي لم يحل وجودها مشكلة الانحراف عن الفطرة والوقوع إما في محذور التبعية أو محذور الغطرسة واستعباد الآخر وهما أمران باتا لا يحتاجان لأي استدلال من أجل إثبات واقعيتهما. لقد تناول سماحته حياة وثقافة المفكر الإسلامي إقبال اللاهوري في أحد المؤتمرات التي عقدت قبل عقدين من الآن وطرح نقاطاً عن دور هذه الشخصية في حياة مسلمي شبه القارة الهندية وما هي أسباب التخلف التي أحاطت بتلك المنطقة بما لا مزيد عليه بحيث أن أقرب شخصية للمفكر محمد إقبال (ابنه) اعتلى المنصة بعد سماحته ليعلن للحضور أن لا مزيد لديّ لأقوله بعد ما طرحه (رئيس الجمهورية الإسلامية)، لقد قرأ سماحته الكثير من الروايات التي كتبت وكان لها الأثر في حياة الشعوب كالروايات الروسية سواء تلك التي كانت تبشر بثورة 1917 أم التي كتبت بعدها من أجل نشر متبنياتها الفكرية وسط الشعب الروسي والشعوب الأخرى حيث ترجمت إلى عدة لغات وطبع منها عشرات ملايين النسخ لتوزع في أنحاء العالم. كما اطلع عن كثب ـ وهذا ما سيلحظ القارئ الكريم بعض الإشارات إليه في هذا الكتاب ـ على تجارب وثقافة وحركات التحرر في أمريكا الجنوبية وغيرها. هذا الإطلاع الواسع إذا ما أضفنا إليه الأساس الذي بُنيت عليه شخصية سماحته وهو النص الديني وتاريخ الأمة ولا يسع المجال للحديث عنها في هذه المقدمة أمكننا الوصول إلى الإعجاب والتقدير اللذين تبديهما شخصيات لها وزنها لسماحته. في ذروة التصادم بين التيار الإسلامي والتيارات الأخرى والذي أعقب انتصار الثورة الإسلامية بادر بعض الجهلة إلى اغتيال العلامة الشهيد مرتضى مطهري الذي كان يمثل أحد أهم المنظرين للثورة الإسلامية بادر بعض الجهلة إلى اغتيال العلامة الشهيد مرتضى مطهري الذي كان يمثل أحد أهم المنظرين للثورة الإسلامية وقد مثل فقده خسارة كبرى وفادحة لم يكن أحد يتصور أنه بالإمكان سدها وخاصة في المجال الفكري والثقافي في الأوساط الشبابية وطلاب وأساتذة الجامعات الذي كانت تتلاقفهم الأفكار اللقيطة العاصفة. لقد وقف الجميع متحيراً وسط هذه الأزمة الفكرية التي كان أقل ما يخشى منها حرف الثورة عن مسارها إن لم يكن وأدها وهي في المهد، في هذه الأثناء ينبري الإمام الخميني (قدس سره) وهو البصير بأصحابه وأتباعه وصاحب النظر العميق في تقييم الشخصيات ليخاطب طلاب جامعة طهران الذين وفدوا عليه ليشتكوه حالهم بعد فقد مربيهم ومرشدهم وما آلت إليه الأوضاع الثقافية والدينية في الجامعة بعد تلك الخسارة ليقول لهم (نعم يجب أن يأتي للجامعة أشخاص متكلمون ليسدوا الفراغ الذي خلفه مطهري وإني أقترح أن يأتي للجامعة السيد علي خامنئي وذلك أمر حسن للغاية فهو يتمتع بفهم عميق ويستطيع أن يعطي في المحيط الجامعي ويمكنكم أن تذهبوا صوبه وتبلغوه رأيي هذا من أجل أن يحلم محل مطهري... وإني أراه شخصاً صالحاً لهذا العمل). كما يتميز سماحته (حفظه الله) بالتواجد وسط الميدان وفي المحيط الثقافي لا ليلتقى الأفكار من غيره أو لينظّر من البروج العاجية كما هو دأب الكثير من أصحاب النظر الذين لا يتجاوز نشاطهم القلم فلم تتجاوز أفكارهم الأوراق بل إن سماحته تفاعل مع الأحداث وانفعل بها وسط الجماهير وهذا ما يجده القارئ لتاريخ حياته (حفظه الله) فهو عالم الدين ذو الثقافة العالية وهو العالم المعتقل، وهو العالم في منفاه، وهو العالم وسط ملايين المتظاهرين، وهو رجل الحرب والمحراب، وهو رئيس أول دولة إسلامية في العصر الحديث التي تحتاج إلى تفكير ووعي دائبين من أجل تخليصها من بين فكي المفترسين ثقافيين وسياسيين وعسكريين، وهو رئيس ـ ولمدة ثمان سنوات ـ المجلس الأعلى للثورة الثقافية أكبر مجلس يضم خيرة أبناء البلد في المجال الثقافي وتقع على عاتقه مسؤولية البناء الثقافي في البلد كله، هذا البلد الذي تريد له الثورة أن تتبدل الكثير من مفاهيمه المغلوطة التي شب وشاب عليها لذا لا يمكن أن ينتابنا العجب إذا سمعنا سماحته يجيب عن سؤال أحد الإعلاميين عن شوقه وحبه للكتاب (إن جميع من في بيتي لا يمكن أن يخلدوا للنوم على فراشهم إلا والكتاب بين أيديهم) أو نسمعه يوصي بعض الشباب (عليكم حتى وأنتم تشاهدون برنامجا تلفزيونيا أن تحملوا الكتاب لتستغلوا أوقات المقاطع الإعلانية لتقرأوا). أما الجانب الثاني من أهمية هذا الكتاب فهو الموضوع الذي يتناوله وهو الثقافة والمثقفين والأدوات والوسائل التي يمكن الاستفادة منها في العمل الثقافي، وكذلك قراءة التيار الثقافي والمثقفين وإنتاجاتهم وأهدافهم. أضف إلى ذلك مقولة الغزو الثقافي هذه المقولة التي أصر القائد على واقعيتها وحقيقتها منذ زمن مبكر فحذر من مغبة التساهل في التعامل معها أو محاربتها بطريقة غير مدروسة في حين أصر آخرون على كونها وهماً، فلم ينتبهوا لها إلا وقد غزت دورهم وعقول أقربائهم وبدت للعيان بوصرة واضحة، هذه الظاهرة يسلط سماحته الضوء عليها بإسهاب وتفصيل واضعاً إصبعه على أهم المفاصل فيها وهو التمييز بين التفاعل الثقافي والغزو الثقافي مبدياً الفروق بين الاثنين بما سيأتي ضمن تشجيعه على الأول إلى درجة أن يكون واجباً دينيا وبنفس القدر أو أكثر، معارضاً للثاني معارضة شديدة وشرسة لا تقبل التهاون أو غض النظر عن أبسط الأمور فيها. في هذا الكتاب أيضاً يتطرق سماحة القائد (حفظه الله تعالى) إلى دارسة واحدة من أهم الظواهر التي ابتلى بها الشرق عامة وهو دور ما يصطلح عليهم بالمتنورين في الوسط الاجتماعي وتغيير ثقافة المجتمعات الإسلامية ليكشف للقارئ الكريم ومن خلال ملاحظات دقيقة عن كون بعض هؤلاء على الأقل لا يعدو دورهم دور التاجر الذي يساوم على ما يملك من معلومات من أجل ربح مال أو منصب، فيذكر أن أحد الإيرانيين الذين كانوا يعتبرون رواد تيار التنوير كان سمساراً لشركة أوروبية من أجل نهب خيرات الشعب الإيراني، وآخرون كانت السفارات الأجنبية في طهران تغدق عليهم بهداياها في مقابل أن ينشروا ما تريد حكومات تلك البلدان، في حين يأخذ سماحته على أكثر المثقفين الإيرانيين ابتعادهم عن هموم مجتمعهم وتفضيلهم السلامة على خدمة المجتمع، ففي الوقت الذي كان الآلاف يتساقطون بآلات الحرب الحكومية في طهران وغيرها كان أغلب هؤلاء يفضلون الجلوس في البيت أو كتابة ما هو بعيد عن هموم مجتمعهم وشعبهم حتى لا يكونوا في معرض الاتهام بمعارضة الديكتاتور ويقول: (عندما كنت في مشهد قبل انتصار الثورة أعطاني أحد الأشخاص رواية الأحد الكتاب اسمها الوقوف على التل وبعد قراءتي لها قلت للشباب إن الواقف على التل في الحقيقة هو كاتب هذه الرواية) في حين يشيد سماحته بمواقف البعض القليل من المفكرين والفلاسفة الغربيين الذين اتخذوا خطوات عملية إلى جانب الشعوب المستعمرة ضد حكوماتهم التي كانت تحتل تلك البلدان. الجهة الثالثة التي تعكس أهمية هذا الكتاب هي الصنف الذي ينتمي إليه من أُلقيت عليه هذه الكلمات وكان المخاطب الأول لكلام سماحته. إن أغلب التوجيهات التي جمعها هذا الكتاب كان سماحته قد وجهها إلى المسؤولين الكبار في الجمهورية الإسلامية وخاصة في الحقل الثقافي والذي تقع على عاتقهم رسم السياسات الكلية للجانب الثقافي والعلمي في الجامعات والمراكز والوزارات ذات الطابع الثقافي كوزارة الثقافة والإرشاد ووزارة التربية والتعليم ووزارة العلوم والتحقيق والإبداع وأعضاء مجلس الثورة الثقافية المتشكل من أهم الشخصيات الثقافية والسياسية في البلد ومنظمة الإعلام الإسلامي وأئمة الجمعة والجماعات والملحقيات الثقافية خارج إيران ومسؤولي الصحف والمجلات والمخرجين السينمائيين وغيرهم. من هنا فإن ما تقرأه أخي الكريم في هذا الكتاب يمكن أن نعتبره زبدة أفكار سامحته في هذا الجانب. وفي الختام لا يفوتنا أن نذكر أن ما يتضمنه هذا الكتاب هو بعض ما تفضل به سماحته خلال الاثني عشر سنة الأخيرة راجين من العلي القدير أن يوفقنا لإتمام ما بدأناه خاصة وأن كلام سماحته (دام ظله) وأطروحاته سواء على مستوى الوقاية وتأصيل الفكر الإسلامي الصحيح أم على مستوى علاج بعض الانحرافات الثقافية كثير وكثيراً جداً بل إن سماحته يعتبر هذا الحقل هو من أهم الحقول التي ينبغي الاهتمام بها إن لم يكن أهمها على الإطلاق لما يجد من تأثيره المباشرة وغير المباشر في حياة ومستقبل الشعوب. ولنختم مقالتنا هذه بكلمتين لسماحته في هذا المجال:
الأولى: عندما سأله مراسل إحدى المجلات في آخر أيام رئاسته للجمهورية الإسلامية أين ستكون مسؤوليتكم بعد انقضاء فترة رئاستكم للجمهورية؟ فأجاب القائد : (لو خُليت ونفسي فإني سأعود للنشاط الثقافي إن لم يوجب عليّ الإمام أمراً آخر).
الثانية: في إحدى لقاءاته مع علماء الحوزة في قم تفضل سماحته (أتمنى بعد انتهاء مسؤوليتي هذه (رئاسة الجمهورية الإسلامية) أن أعود للحوزة لاضطلاع بتربية ولو مجموعة صغيرة من الطلاب من أجل نشر المعارف الإسلامية الحقة).
دار الولاية للثقافة والإعلام مولد ثامن الحجج 1424 هـ ق
|